فأخرني ساعة فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة ، فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتتردد أنفاسه في شراسفه ، ويتجرّع غصة اليأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر ، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأحوال ، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من اللّه الحسنى خرجت روحه على التوحيد فذلك حسن الخاتمة ، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ باللّه خرجت روحه على الشك والاضطراب وذلك سوء الخاتمة ولمثل هذا يقال :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
[ النساء : 18 ] وقوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
[ النساء : 17 ] ومعناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندّم
شرح
فيقول ) ملك الموت : ( فنيت الأيام فلا يوم فيقول ) العبد : ( فاخرني ساعة . فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة ) ، فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكمظمه عند الغرغرة ( فيغلق عليه باب التوبة ) ويحجب عنه ( فيغرغر بروحه وتتردد أنفاسه في شراسفه ) وهي عظام الحلق وتنقطع الأعمال وتذهب الأوقات ، ( ويتجرع غصة اليأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر ) النفيس ، ويشهد فيها المعاينة عند كشف العطاء فيمتد بصره ، ( فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال فإذا ) كان في آخر نفس ( وزهقت نفسه ، فإن كان سبقت له من اللّه الحسنى ) ولفظ القوت فيدركه ما سبق له من السعادة ( فتخرج روحه على التوحيد وذلك حسن الخاتمة ، وإن سبق له القضاء بالشقاوة والعياذ باللّه ) تعالى ( خرجت ) ولفظ القوت : أو يدركه ما سبق له من الشقاوة فتخرج ( روحه على الشك والاضطراب ) ولفظ القوت على الشرك بالشك ، ( وذلك سوء الخاتمة ، ولمثل هذا قال تعالى :وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ )وقيل : هو المنافق المدمن على المعاصي المصر عليها .
وروى الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود : « إن العبد يولد مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا ، وإن العبد يولد كافرا ويعيش كافرا ويموت مؤمنا ، وإن العبد ليعمل برهة من دهره بالسعادة ثم يدركه ما كتب له فيموت شقيا ، وأن العبد ليعمل برهة من دهره بالشقاء ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيدا » .
( وقوله تعالى :إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )قيل : قبل الموت وقبل ظهور رآيات الآخرة ، وقيل الغرغرة لأنه تعالى حكم أن التوبة بعد ظهور علام الآخرة لا تنفع ، ومنه قوله تعالى :يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُأي قبل معاينة الآيات( أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً[ الأنعام :
158 ] قيل : التوبة هي كسب الإيمان بأصول الخيرات ، وقيل الأعمال الصالحة وهي الإيمان وعلامة الإيقان ، ( و ) قيل في قوله من قريب ( معناه عن قرب عهد بالخطيئة ) لا يتمادى