وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة أنه خلع لباس الجفاء ونشر بساط الوفاء .
وقال سهل بن عبد اللّه التستري : التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ، ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال وكأنه أشار إلى المعنى الثالث من التوبة ، والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر ، وإذا فهمت هذه المعاني الثلاثة وتلازمها وترتيبها
شرح
أي شيء لا ينجبر ولا يلتئم . ( وباعتبار معنى الترك ) الذي هو ثمرة التوبة ( قيل في حدّ التوبة أنه خلع لباس الجفاء ونشر بساط الوفاء ) والمراد بخلع لباس الجفاء أن لا يعود إلى ما يبعده عن حضرة اللّه وينشر لباس الوفاء بأن يستقيم عليه فلا يمر بباله الجفاء حتى ذكره .
قال القشيري في الرسالة : أخبرنا أبو عبد اللّه الشيرازي قال : سمعت أبا عبد اللّه بن مفلح بالأهواز يقول : سمعت شمر بن زيري يقول : سمعت الجنيد ، يقول : دخلت على السري يوما فرأيته متغيرا فقلت له : ما بالك ؟ فقال : دخل عليّ شاب فسألني عن التوبة فقلت له : أن لا تنسى ذنبك فعارضني ، وقال : بل التوبة أن تنسى ذنبك فقلت أن الأمر عندي على ما قال الشاب . فقال :
لم قلت لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء ، فذكر الجفاء في حال الصفاء وفاء فسكت ، وسيأتي الكلام على هذا .
( وقال ) أبو محمد ( سهل بن عبد اللّه التستري ) رحمه اللّه تعالى : أوّل ما يؤمر به المبتدىء المريد ( التوبة ) وهو ( تبديل ) ، ولفظ القوت تحويل ( الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ) ولفظ القوت إلى الحركات المحمودة ( ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال ) ، ولفظ القوت ويلزم نفسه الخلوة والصمت ولا تصح له التوبة إلا بأكل الحلال ولا يقدر على الحلال حتى يؤدي حق اللّه تعالى في الخلق وحق اللّه تعالى في نفسه ، ولا يصح هذا حتى يتبرأ عن كل حركة وسكون إلا باللّه وحتى لا يأمن الاستدراج بأعمال الصالحين ، هذا تمام قول سهل ( وكأنه ) رحمه اللّه تعالى ( أشار إلى المعنى الثالث من التوبة ) ومن نظر إلى أن الإنسان متركب من طرفي مشابهة الملائكة والبهائم فبميله إلى صفة البهائم يبعد عن ربه ، وبميله إلى صفة الملائكة يقرب من ربه ، وطباع البهائم شر كله وطباع الملائكة خير كله . قال : إن حقيقة التوبة ترجع إلى الرجوع من الشر الشرعي إلى الخير الشرعي ، ومن الطريق المبعدة إلى الطريق المقربة ، وهذا الحد أعم من قولنا هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة لأن الحد الأوّل يدخل فيه الوجوب والاستحباب ، قال اللّه تعالى :لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ[ التوبة : 117 ] وتوبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في رجوعه من حسن إلى أحسن منه ، ومن قرب إلى ما هو أقرب منه وأسنى ، ( والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر ) وقد ذكر بعضها في القوت وبعضها وأجمعها وأشدها على ما قال صاحب المفهم أنها اختيار ترك ذنب سبق حقيقة أو تقديرا لأجل اللّه تعالى ، ( وإذ ) قد ( فهمت هذه المعاني الثلاثة وتلازمها وترتيبها عرفت أن جميع ما قيل في