محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم . فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوّت ، فيسمى تألمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندما ، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال وبالماضي وبالاستقبال ، أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابسا ، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوّت للمحبوب إلى آخر العمر . وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين ، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب
شرح
فإذا عرف ذلك معرفة حقيقية ) مؤيدة ( بيقين غالب على قلبه ) فإذا استغرقه ( ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم ) لا محالة ، ( فإن كان فواته بفعله ) الموجب لذلك ( تأسف على الفعل المفوّت ) لمحبوبه ( فيسمى تألمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندما ) ، وقد اختلف في حدّه فقال الراغب : هو التحسر من تغرر أي في أمر فائت ، وقال أبو البقاء : هو أن يلوم نفسه على تفريط وقع منه ، وقال غيره : هو غم يصحب الإنسان يتمنى أن ما وقع منه لم يقع وكل هذه المعاني متقارب ، ( فإذا غلب هذا الندم على القلب واستولى انبعث من هذا الندم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له متعلق بالحال والماضي والاستقبال ، أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابسا له ) ومصاحبا به وهو واجب شرعا ، ( وأما ) تعلقه ( بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوّت للمحبوب إلى آخر العمر ) فلا يعود فيه ولا في مثله وهذا أيضا واجب شرعا .
( وأما ) تعلقه ( بالماضي فبتلافي ) أي تدارك ( ما فات ) وفرط من أمره وهل تتوقف صحة التوبة على هذا أم لا ؟ فيه خلاف أما من منع فقال العلم والندم يرادان لهذا وهذا هو الغاية المقصودة ، وأما من أجاز الصحة فيكتفي بالعلم والندم والعزم والترك في الحال ، والصحيح أن فيه تفصيلا قد أشار المصنف له ( بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ) أي أن المعاصي المرجوع عنها إما أن تكون قاصرة الضرر على المذنب أو متعدية إلى غيره ، فالقاصرة منها ما يقبل القضاء كالصلاة والصيام والزكاة والحج ، ومنها ما لا يقبل القضاء كمس المصحف على غير وضوء واللبث في المسجد على غير طهارة وشرب الخمر وإلقاء المال في البحر وإنفاقه في المعصية ، وما أشبه ذلك مما لا يقبل القضاء ، فيكفي فيه الندم والترك والعزم على أن لا يعود ، والذي يقبل القضاء فتصح أيضا توبته ولكن يجب عليه قضاء ما فات لأن التوبة عبادة الوقت لوجوبها على الفور ، وقد قام بها . والقضاء لا وقت له معين والذمة مشغولة به ، وهذا الحكم في المعاصي المتعدى ضررها إلى الغير ، وسيأتي الكلام عليها قريبا . وقد علم مما تقدم أن واجبات التوبة وأركانها أربعة علم وندم وترك ، ( فالعلم هو الأوّل وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم ) عقد ( الإيمان ) للّه