إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم والإقبال بالكلية على اللّه طلبا للأنس به بدوام ذكره وللمحبة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته وعلم أن الذنوب التي هي اعراض عن اللّه واتباع لمحاب الشياطين أعداء اللّه المبعدين عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن اللّه تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب ، وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم ، فإنه ما لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يندم ولم يتوجع بسبب سلوكه في طريق البعد ، وما لم يتوجع فلا يرجع ، ومعنى الرجوع الترك والعزم ، فلا يشك في أن المعاني الثلاثة ضرورية في الوصول إلى المحبوب ، وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة ، وأما من لم يترشح لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر الخلق ، ففي التقليد والاتباع له مجال رحب يتوصل به إلى النجاة من الهلاك ، فليلاحظ فيه قول اللّه وقول رسوله وقول السلف الصالحين فقد قال اللّه تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ النور : 31 ] وهذا أمر على العموم وقال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ
شرح
قطعا ، وعلم أنه لا مقرب من لقاء اللّه تعالى إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم ) أي زينته ( والاقبال على اللّه تعالى طلبا للأنس به ) وذلك يكون ( بدوام ذكره ) بأي نوع كان ، فلا يرى إلا مشتغلا إما مصليا وإما صائما وإما تاليا وإما طالبا للعلم وغير ذلك ، وكل ما يعين على الذكر فهو ذكر ودوام العمل من جملة مقامات التوبة كما سبقت الإشارة إليه في المقدمة ، ( و ) يكون الاقبال على اللّه طلبا ( للمحبة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته ) وهو أيضا من أحوال التوبة ، ( وعلم ) أيضا ( أن الذنوب التي هي إعراض عن اللّه عز وجل واتباع لمحاب الشياطين أعداء اللّه المبعدين عن حضرته ) وفي بعض النسخ لمحاب الشيطان عدوّ اللّه المبعد عن حضرته ( سبب كونه محجوبا مبعدا عن اللّه ) تعالى ، ( فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب ، وإنما يتم الانصراف ) بثلاثة أمور مرتبة :
( بالعلم والندم والعزم فإنه ما لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد من المحبوب لم يندم ولم يتوجع بسبب سلوكه في طريق البعد ، وما لم يتوجع بقلبه فلا يرجع ) عما هو ملابس له ، ( ومعنى الرجوع الترك والعزم ، فلا يشك أن المعاني الثلاثة ) بترتيبها ( ضرورية في الوصول إلى المحبوب ، وكذا يكون الإيمان الحاصل من نور البصيرة ، وأما من لم يترشح لمثل هذا المقام ) المحمود ( المرتفع ذروته ) أي أعلاه ( عن ) درك ( حدود أكثر الخلق ) من المترسمين ، ( ففي التقليد والاتباع له مجال رحب يتوصل به إلى النجاة من الهلاك ) الأبدي ( فيلاحظ فيه قول اللّه تعالى ، وقول رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وقول السلف الصالحين ، فقد قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيز في البيان الأوّل من خطاب العموم :( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَوهذا أمر على العموم ) ، ومعناه ارجعوا إليه من هوى أنفسكم