تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
بأدنى بيان ، فكأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار ، فإذا مسته نار فهو نور على نور يهدي اللّه لنوره من يشاء ، وهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة ، فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ، ثم إلى الوجوب ما معناه ، ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها ، وذلك بأن يعلم بأن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من هلاك الأبد ، فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن بوصفه لكونه واجبا معنى . وقول القائل : صار واجبا بالإيجاب ، حديث محض فإن مالا غرض لنا آجلا وعاجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به ، أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه ؟ فإذا عرف معنى الوجوب وإنه الوسيلة إلى سعادة الأبد ، وعلم أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء اللّه تعالى ، وإن كل محجوب عنه يشقى لا محالة محول بينه وبين ما يشتهي محترق بنار الفراق ونار الجحيم . وعلم أنه لا مبعد عن لقاء اللّه إلا اتباع الشهوات والأنس بهذا العالم الفاني والإكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعا ، وعلم أنه لا مقرب من لقاء اللّه
شرح
ونور الإيمان ، فهو لشدة نور باطنه يجتزىء ) أي يكتفي ( بأدنى كمال ، فكأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار ، وإذا مسته نار فهو نور على نور يهدي اللّه لنوره من يشاء ) فإن الروح المفكرة منقسمة إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه ومدد من خارج حتى يستمر في أنوار المعارف ، وبعضها يكون في شدة الصفاء كأنه يتنبه عن نفسه بغير مدد من خارج ، فبالحري أن يكون نورا على نور ، ( وهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة ، فمن كان هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أوّلا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ، ثم إلى الوجوب ما معناه ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها ، وذلك بأن يعلم أن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد ) وهي الفوز بلقاء اللّه ( والنجاة من هلاك الأبد ) وهو البعد عن حضرة اللّه ، ( وأنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن لوصفه بكونه واجبا معنى ) يعقل ، ( وقول القائل : صار ) الانس ( واجبا بالإيجاب حديث محض ) مجرد عن الفائدة ، ( فإن مالا غرض لنا عاجلا ولا آجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه ، فإذا عرف معنى الوجوب وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد علم أنه لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء اللّه تعالى و ) علم ( أن كل محجوب عنه ) بحجاب ظلمة محض أو ظلمة ممزوجة بنور ( يشقى لا محالة محول بينه وبين ما يشتهي ) قيل : هو التوبة ، وقيل الزيادة في العمل ، وقيل حسن الخاتمة وبكل فسر قوله تعالى :وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ[ سبأ : 54 ] ( محترق بنور الفراق ونار جهنم ) وفي نسخة : نار الجحيم ، ( وعلم ) أيضا ( أنه لا مبعد من لقاء اللّه تعالى إلا اتباع الشهوات ) والعمل بمقتضاها ، ( والانس بهذا العالم الفاني والإكباب على حب من لا بدّ ) وفي نسخة ما لا بدّ ( من فراقه