الاعتبار قيل في حد التوبة أنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ ، فإن هذا يعرض لمجرد الألم ، ولذلك قيل :
هو نار في القلب تلتهب * وصدع في الكبد لا ينشعب
شرح
الندم لما كان معظم أركانها خصه بالذكر تنويها لشأنه لا أن الندم وحده كاف فيها ، فهو إذا من قبيل الحج عرفة قاله القشيري في الرسالة ، ( فيكون الندم محفوظا بطرفيه أعني ثمرته ) وهي العزم ( ومثمرة ) وهو العلم ووجه تخصيصه بالذكر لأنه شيء يتعلق بالقلب والجوارح تبع له ، فإذا تحقق الندم في القلب انقطع عن المعاصي فرجعت برجوعه الجوارح ووجهه المصنف في موضع آخر فقال : إنما نص على أن الندم توبة ولم يذكر جميع شروطها ومقدماتها لأن الندم غير مقدور للعبد ، فإنه قد يندم على أمر وهو يريد أن لا يكون والتوبة مقدورة له مأمور بها ، فعلم أن في الخبر معنى لا يفهم من ظاهره وهو أن الندم لتعظيم اللّه وخوف عقابه مما يبعث على التوبة النصوح ، فإذا ذكر مقدمات التوبة الثلاث يندم ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل فتحمله على الابتهال والتضرع ويجزم بعدم العود ، وبذلك تتم شروط التوبة الأربعة ، فلما كان الندم من أسباب التوبة سماه باسمها ، والحديث المذكور قال العراقي : رواه ابن ماجة ، وابن حبان ، والحاكم من حديث أنس وقال : صحيح على شرط الشيخين ا ه .
قلت : رواه ابن ماجة من طريق عبد الكريم الجزري عن زياد بن أبي مريم عن ابن معقل قال :
دخلت مع أبي علي ابن مسعود فسمعته يقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « الندم توبة » ؟ قال : نعم ، ومن هذا الوجه . أخرجه الطيالسي في مسنده ، ولكن قال عن زياد وليس بابن أبي مريم ، وقال عن عبد اللّه بن مغفل ولفظه : دخلت مع أبي وأنا إلى جنبه على عبد اللّه بن مغفل فقال له أبي : أسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « الندم توبة » وأخرجه الطبراني في الكبير وآخرون ، وفي مسنده اختلاف كثير كذا قاله السخاوي . وأخرجه أحمد والبخاري في التاريخ والحكيم والبيهقي وأبو نعيم .
وأما حديث أنس ، فقد رواه أيضا الدارقطني في الافراد ، والبيهقي في السنن ، والضياء . وقال الحافظ في الفتح : وهو حديث حسن ، وقال العامري في شرح الشهاب : صحيح ، ورواه الطبراني في الكبير أيضا ، وأبو نعيم في الحلية من طريق ابن أبي سعيد الأنصاري عن أبيه به مرفوعا بزيادة « والتائب من الذنب كمن لا ذنب له » وسنده ضعيف .
وفي الباب ابن عباس ، وابن عمر ، وجابر ، وأبو هريرة ، ووائل بن حجر وغيرهم . فحديث ابن عباس أشار إليه السخاوي ، وحديث ابن عمر رواه تمام والخطيب في رواة مالك وابن عساكر ، وحديث جابر رواه الشيرازي في الألقاب ، وحديث أبي هريرة رواه ابن عساكر ، وحديث وائل بن حجر رواه الطبراني في الكبير . ( وبهذا الاعتبار قيل في حدّ التوبة أنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ ، فإن هذا تعرض لمجرد الألم ) والحشا داخل البطن وذوبانه بتأثير ألم فيه عن الزلات السابقة ( ولذلك قيل ) :( هو نار في القلب تلتهب * وصدع في الكبد لا ينشعب )