وفعل ، فالعلم الأول ، والحال الثاني ، والفعل الثالث ، والأول موجب للثاني ، والثاني موجب للثالث ايجابا اقتضاه إطراد سنة اللّه في الملك والملكوت . أما العلم ، فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب ، فإذا عرف ذلك معرفة
شرح
قصد وقد ينسب إلى الجماد ، والعمل قد لا ينسب إلى ذلك ، ولذلك قيل : لو قال وعمل كان أنسب .
ولنقدم قبل الخوض فيه مقدمة تتنزل منزلة التوطئة وتمهيد الكل ما نستقبله من مقام وحال .
فاعلم أن جملة ما تكلم الناس فيه من المقامات والأحوال كلها هي من الإيمان باللّه وللّه . قال اللّه تعالى :فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي[ البقرة : 186 ] والإيمان باللّه وللّه عقود كثيرة لا نهاية لها لأن كل ما ورد من أسماء اللّه تعالى سواء دل على عين الذات الأقدس أو على صفة من صفاتها أو على سلب نقص وعيب عنها أو على اثبات جلال وكمال لها ، فهو من عقود الإيمان باللّه . وكل ما جاءنا عن اللّه من أمر أو نهي أو خبر ماض أو مستقبل أو حال فهو من الإيمان للّه تعالى ، وسيأتي في كل مقام بيان كل ما هو من الإيمان باللّه أو للّه في موضعه إن شاء اللّه تعالى ، فإذا علمت أن عقود الإيمان لا حصر لها كان النفي والإيجاب لا نهاية لهما والأوامر والنواهي كذلك ، لان من جملتها النفي والإيجاب علمت أن كل عقد من عقود الإيمان أصل ، ولذلك الأصل فرع وللفرع ثمرة ، ولذلك شبه اللّه تعالى الإيمان بالشجرة . قال اللّه تعالى :أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها[ إبراهيم : 24 ، 25 ] فعرفنا أن لها أصلا ثابتا في القلوب بما أمد ساقه من النظر والاعتبار ، وعرفنا أن لها فروعا تنشأ منها هي مواجيد القلوب وأحوال لها بسبب ما جبلها عليه من محبة سعادتها وكمالها ، وعرفنا بقوله :تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍأن لها ثمارا هي أعمالنا الناشئة عن أحوال قلوبنا وبها نجاتنا وكمالنا ، وقوله :بِإِذْنِ رَبِّهالأنه خالقها ومالكها ، وفيه دليل الرد على من يقول بالتولد ، وفيه دليل على أن لا يصدر منها فعل من أفعالنا إلا وهو موجود بقدرته على ما قدرته مشيئته .
ولما علم المصنف رحمه اللّه تعالى ذلك قال ما قال مشيرا إلى أن كل مقام ينتظم من علم وحال وفعل ، ( فالعلم أوّل ) لأنه هو الأصل الذي هو عقد من عقود الإيمان باللّه أو للّه ، ( والحال ثاني ) وهو ما ينشأ عنه من المواجيد ، ( والفعل ثالث ) وهو ما تنشئه المواجيد على القلوب والجوارح من الأعمال ، ( فالأول موجب للثاني ، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه إطراد سنة اللّه تعالى في ) عالمي ( الملك والملكوت ) ، ومصداق ذلك في قوله تعالى :وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ[ الحج : 54 ] وقوله تعالى :وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ[ آل عمران : 135 ] وهذه الآية جامعة لمجامع أركان التوبة للمتأمل ، فإذا فهمت هذه المقدمة لم يعسر عليك استنتاج الأحوال من العلوم واستفتاح الأعمال من الأحوال .
( أما العلم ؛ فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب ،