تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
شرح
هذا ما من العبد فإذا لاح للمريد شيء من المواهب والمواجيد قالوا هذا ما من اللّه تعالى وسموه حالا إشارة منهم إلى أن الحال موهبة . وقال بعض مشايخ خراسان ، الأحوال مواريث الأعمال وقال بعضهم : الأحوال كالبرق فإن بقي فحديث النفس وهذا لا يكاد يستقيم على الإطلاق ، وإنما يكون ذلك في بعد الأحوال ، فإنها تطرق ثم تسليها النفس فأما على الإطلاق مثلا . والأحوال لا تمتزج بالنفس كالدهن لا يمتزج بالماء . وذهب بعضهم إلى أن الأحوال لا تكون إلا إذا دامت ، فإذا لم تدم فهي لوائح وطوالع وبوادر وهي مقدمات الأحوال وليست بأحوال . فصل وهل يجوز له أن ينتقل إلى مقام غير مقامه الذي هو فيه دون أن يحكم حكم مقامه ؟ اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : لا ينبغي أن ينتقل إلى غير الذي هو فيه دون أن يحكم حكم مقامه . وقال بعضهم : لا يكمل له الذي هو فيه إلا بعد ترقيه إلى مقام فوقه فينظر من مقامه العالي إلى ما دونه من المقام فيحكم أمر مقامه . والأولى أن نقول : واللّه أعلم . اعلم أن الشخص يعطى حالا من مقامه الأعلى الذي سوف يرتقى اليه فيوجد أن ذلك الحال يستقيم أمر مقامه الذي هو فيه ويتصرف الحق فيه كذلك ، ولا يضاف الشيء إلى العبد أن يرتقى أو لا يرتقى ، فإن العبد بالأحوال يرتقى إلى المقامات والأحوال مواهب ترقى إلى المقامات التي يمتزج منها الكسب بالموهبة ، ولا يلوح للعبد حال من مقام أعلى مما هو فيه إلا وقد قرب ترقيه إليه ، فلا يزال العبد يرقى إلى المقامات بزائد الأحوال ، فعلى ما ذكرنا يتضح تداخل المقامات والأحوال حتى التوبة ولا تعرف إلا مقاما فيها حال مقام ، وفي التوكل حال ومقام وفي الرضا حال ومقام والمحبة حال ومقام .

فصل [ كيفية ترتيب المقامات على وجه الأعمال ]

وأما كيفية ترتيب المقامات على وجه الأعمال ؟ اعلم أن المقامات والأحوال وثمراتها فجميعها ثلاثة أشياء بعد صحة الإيمان وعقوده وشروطه فصارت مع الإيمان أربعة ، وهي في إفادة الولادة المعنوية الحقيقية بمثابة الطبائع الأربع التي جعلها اللّه باجراء سنته مفيدة للولادة الطبيعية ، ومن تحقق بحقائق هذه الأربع يلج ملكوت السماوات ويكاشف بالقدر والآيات ويصير له ذوق وفهم لكلمات اللّه المنزلات ، ويحظى بجميع الأحوال والمقامات ، فكلها من هذه الأربع ظهرت وبها تهيأت وتأكدت إحدى الثلاث بعد الايمان التوبة النصوح ، والثاني الزهد في الدنيا ، والثالث تحقيق العبودية بدوام العمل له ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا قصور ، ثم يستعان على هذه الأربعة بأربعة أخرى بها تمامها وقوامها وهي : قلة الكلام ، وقلة المنام ، وقلة الطعام والاعتزال عن الناس ، فالتوبة في مبدأ صحتها تفتقر إلى أحوال ، وإذا صحت تشتمل على مقامات وأحوال ، فالأحوال التي تتقدم التوبة في استقامتها إلى المحاسبة في الظاهر والمراقبة في الباطن والرعاية ، والأخيران