تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مرتبة : علم ، وحال ،
شرح
حالان شريفان ويصيران مقامين بصحة مقام التوبة على الكمال بهما ، فصارت المحاسبة والمراقبة والرعاية من ضرورة مقام التوبة ، وإذا صدق العبد في توبته صار منيفا وهو ثاني درجة التوبة ، ورؤية عيوب الأفعال من ضرورة صحة الإنابة وهو تحقيق مقام التوبة ، ولا تستقيم التوبة إلا بصدق المجاهدة ، ولا يصدق العبد في المجاهدة إلا بالصبر ، وحقيقته كائن في التوبة ككينونة المراقبة فيها ، والصبر على الخمول ، والتواضع والذل داخل في الزهد وإن لم يكن داخلا في التوبة ، وكل ما في التوبة من المقامات والأحوال يوجد في الزهد وهو ثالث الأربعة ، ثم إن النفس بالمحاسبة والمراقبة تصفو وتنطفىء نيرانها المتنافجة بمتابعة الهوى وتبلع بطمأنيتها محل الرضا ومقامه ، والرضا ثمرة التوبة النصوح ، وما تخلف عبد عن الرضا إلا بتخلفه عن التوبة النصوح حال الصبر ومقام الصبر وحال الرضا ومقام الرضا ، والخوف والرجاء مقامان كائنان في صلب التوبة النصوح لأن خوفه حمله على التوبة ، ولولا خوفه ما تاب ، ولولا رجاؤه ما خاف ، ويعتدلان للتائب المستقيم في التوبة . ثم إن التائب حيث قيد الجوانح عن المكاره واستعان بنعم اللّه على طاعته فقد شكر المنعم ، فإذا جمعت التوبة هذه المقامات والأحوال انجلت مرآة القلب وبان قبح الدنيا فيه فيحصل الزهد ، والزاهد يتحقق فيه التوكل لأنه لا يزهد في الموجود إلا لاعتماده على الموعود ، والسكون إلى وعد اللّه هو عين التوكل وكل ما بقي على العبد من بقية في تحقق المقامات كلها بعد توبته يستدركه بزهده في الدنيا وهو ثالث الأربعة ، وإذا صح زهد العبد صح توكله أيضا لأن صدق توكله مكنه من الزهد في الوجود ، فمن استقام في التوبة وزهد في الدنيا وحقق هذين المقامين استوفى سائر المقامات وتحقق بها ، فإذا تاب توبة نصوحا ثم زهد في الدنيا حتى لا يهتم لأمر غد ولا يدخر جمع في هذا الزهد والفقر والزهد أفضل من الفقر وهو فقر وزيادة لأن الفقير عادم للشيء اضطرارا ، والزاهد تارك للشيء اختيارا ، وزهده يحقق توكله ، وتوكله يحقق رضاه ، ورضاه يحقق الصبر ، والصبر يحقق حبس النفس وصدق المجاهدة ، وحبس النفس للّه يحقق خوفه ، وخوفه يحقق رجاءه ، ويحظى بالتوبة والزهد بكل المقامات وهما إذا اجتمعا مع صحة الإيمان وعقوده وشروطه يعوز هذه الثلاثة رابع به تمامها ، وهو دوام العمل لأن الأحوال السنية ينكشف بعضها بهذه الثلاثة ويصير بعضها متوقفا على وجود الرابع ، وهو دوام العمل للّه لا يشغله عنه إلا واجب شرعي أو مهم لا بدّ منه طبعي ، فإذا كان مع الزهد والتقوى متمسكا بدوام العمل فقد أكمل الفضل وما آلى جهدا في العبودية ، ومنه يصل إلى مقام الفناء والبقاء وهو مقام عزيز ، ولنعد إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى : ( اعلم أن التوبة ) مقام من جملة مقامات اليقين التسعة ، وهي ( عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مرتبة : علم وحال وفعل ) ، والمراد بالفعل العمل لكن العمل أخص إذ الفعل ما ظهر عن داعية من الموقع كان عن علم أو غير علم لتدين كان أو غيره ، والعمل كل فعل من الحيوان يقصد فهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوان الذي يقع منه فعل بغير