تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
شائبتان ، واصطحب فيه سجيتان ، وكل عبد مصحح نسبه إما إلى الملك أو إلى آدم أو إلى الشيطان ، فالتائب قد أقام البرهان ، على صحة نسبه إلى آدم بملازمة حد الإنسان ، والمصر على الطغيان ، مسجل على نفسه بنسب الشيطان ، فأما تصحيح النسب بالتجرد لمحض الخير إلى الملائكة فخارج عن حيز الإمكان ، فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم كما لا يخلصه إلا إحدى النارين : نار الندم أو نار جهنم ، فالإحراق بالنار ضروري في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان وإليك الآن اختيار أهون النارين ، والمبادرة إلى أخف الشرين قبل أن يطوي بساط الاختيار ، ويساق إلى دار الاضطرار . أما إلى الجنة وإما إلى النار . وإذا كانت التوبة موقعها من الدين هذا الموقع وجب تقديمها
شرح
ودرجة الأنس والجنّ ، ودرجة البهائم . فالملك درجته أعلى الدرجات لأنه عبارة عن موجود لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه ، بل لا يقتصر على إدراكه على ما يتصور فيه القرب والبعد إذ القرب والبعد يتصور على الأجسام والأجسام أخس أقسام الموجودات ، ثم هو مقدس عن الشهوة والغضب فليست أفعاله بمقتضى الشهوة والغضب بل داعية إلى طلب القرب إلى اللّه ، وأما الإنسان : ( فقد أدرج في طينة الإنسان شائبتان ، واصطحب فيه سجيتان ) فإن درجته متوسطة بين الدرجتين ، فكأنه مركب من بهيمية وملكية ، والأغلب عليه في بداية أمره البهيمية إذ ليس له املاء عن الإدراك إلا الحواس التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب من المحسوس بالسعي والحركة إلى أن يشرق عليه بالآخرة نور العقل المتصرف في ملك السماوات والأرض من غير حاجة إلى حركة بالبدن وطلب قرب مماشة مع المدرك له ، بل مدركه الأمور المقدسة من قبول القرب والبعد بالمكان وكذلك المستولى عليه أولا شهوته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن تظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى الشهوة والغضب ، ( وكل عبد مصحح نسبه إما إلى الملك أو إلى آدم أو إلى الشيطان ، فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم عليه السلام بملازمة حد الإنسان ) الذي هو الرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ، ( والمصر على الطغيان مسجل على نفسه بنسب الشيطان ) أي قاض به يقال سجل القاضي تسجيلا إذا قضى وحكم وأثبت حكمه في السجل وهو كتاب القاضي والجمع سجلات ، ( فأما تصحيح النسب بالتجرد لمحض الخير إلى الملائكة فخارج عن حيز الإمكان ، فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم عليه السلام عجبا محكما لا تخلصه إلا إحدى النارين نار الندم ) في الدنيا ( أو نار جهنم ) في الآخرة ( فالإحراق بالنار ضروري ) أي معلوم بالضرورة ( في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان ) وهي مقتضى الشهوات النفسية . ( وإليك الآن اختيار أهون النارين والمبادرة إلى أخف الشرين قبل أن يطوي بساط الاختيار ) وذلك عند حلول الموت ، ( ويساق إلى دار الاضطرار إما إلى الجنة وإما إلى النار ) فإن أذاب تلك الخبائث بنار الندم ومضى مقتضى الشهوة والغضب وأناب إلى ربه وملك بنفسه أخذ
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 549 | مرتضى الزبيدي