واجترم ، فهي شنشنة يعرفها من أخزم ، ومن أشبه أباه فما ظلم . ولكن الأب إذا جبر بعد ما كسر وعمر بعد أن هدم ، فليكن النزوع إليه في كل طرفي النفي والإثبات والوجود والعدم ، ولقد قرع آدم سن الندم ، وتندم على ما سبق منه وتقدم . فمن اتخذه قدوة في الذنب دون التوبة قد زلت به القدم . بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين ، والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين ، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين ، فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان ، والمتجرد للشر شيطان ، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان ، فقد ازدوج في طينة الإنسان
شرح
أليق ( بالأولاد الاقتداء بالآباء والأجداد فلا غرو ) أي لا عجب ( أن أذنب الآدمي واجترم ) أي اكتسب الإثم ( فهي شنشنة ) بكسر الشينين المعجمتين وسكون النون الأولى وفتح الثانية وهي الطبيعة والعادة ( يعرفها من أخزم ومن شابه أباه فما ظلم ) أي ما تعدى ، وهذا المثل لأبي أخزم رؤبة بن ربيعة بن جرول بن ثقل بن عمرو الطائي الجد السادس لحاتم المشهور مات ابنه أخزم وكان عاقا لأبيه وترك بنين منهم مرة وعدي وعبد شمس فوثبوا يوما على جدهم في مكان واحد فادموه فقال :إن بني زملوني بالدم * من يلق آساد الرجال يكلم
ومن يكن ذاد أبه يفدم * بشنشنة يعرفها من أخزمأي أنهم أشبهوا أباهم في الطبيعية والعادة هكذا ذكره ابن الكلبي وتبعه الجوهري : ونقل أبو عبيدة فيه : نشنشة بتقديم النونين على الشينين وهو من الأمثال السائرة المشهورة أوسعت الكلام فيه في شرحي على القاموس فراجعه ، ( ولكن الأب إذا جبر بعد ما كسر وعمر بعد أن هرم ) أي أعطى عمرا ثانيا بعد أن ضعفت قواه ، ( فليكن النزوع إليه ) أي اتباعه ( في كلا طرفي النفي والإثبات والوجود والعدم ، ولقد قرع آدم عليه السلام سن الندم ) وهو أيضا من الأمثال المشهورة يقال قرع فلان سنه إذا أحرقه ندما وانشد أبو نصر النابغة الذبياني :ولو أني أطعتك في أمور * قرعت ندامة من ذاك سنيوقال تأبط شرا :لتقرعن عليّ السن من ندم * إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي( وتندم على ما سبق منه ) من المخالفة ( وتقدم فمن اتخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلت به القدم ) أي اضطربت ولم يثبت ( بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين والتجرد للشرّ دون التلافي ) أي التدارك ( سجية الشياطين ) أي طبيعتهم وعادتهم التي جبلوا عليها ، ( والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ، ضرورة الآدميين فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان والمتجرد للشر شيطان والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان ) فالموجودات منقسمة إلى حية وميتة ، ودرجات الأحياء ثلاث درجات : درجة الملائكة ،