تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي بتحميده يستفتح كل كتاب ، وبذكره يصدّر كل خطاب ، وبحمده يتنعم أهل النعيم في دار الثواب ، وبإسمه يتسلى الأشقياء وإن أرخى دونهم الحجاب ، وضرب بينهم وبين السعداء بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، ونتوب إليه توبة من يوقن أنه رب الأرباب ومسبب الأسباب ، ونرجوه رجاء من يعلم أنه
شرح
قال رحمه اللّه تعالى : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) المستعان به في أمر الدنيا والأخرى . ( الحمد للّه الذي بتحميده يستفتح كل كتاب ) الكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه ، والتحميد كثرة الحمد والإستفتاح الابتداء أي كل صحيفة مهيأة للكتابة فيها ، فالكاتب إنما يبتدئ فيها أول كل شيء بحمد اللّه تعالى وثنائه وتمجيده بما اثنى به على نفسه على لسان أنبيائه ورسله ، ( وبذكره يصدر كل خطاب ) الذكر أعم من الحمد والتصدير الابتداء ، والخطاب القول الذي يفهم المخاطب به شيئا أي ما من كلام يتحاوره المخاطبان إلا وذكر اللّه يكون في صدره أي أوله وصدر كل شيء أعلاه ، وصدر المجلس المرتفع منه وصدره تصديرا رفعه للصدر وتصدرا ارتفع ، ( وبحمده يتنعم أهل النعيم ) أي النعمة الكثيرة والتنعم تناول ما فيه نعمة وطيب عيش ( في دار الثواب ) أي الجنة يشير بذلك إلى قوله تعالى حكاية عن أهل الجنةوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ( وباسمه يتسلى الأشقياء ) وهم المنافقون المحجوبون بنور ممزوج بالظلمة ، والتسلي تفعل من السلو . قال أبو زيد : هو طيب نفس الإلف على إلفه ، ( وإن أرخى دونهم الحجاب ) وهو كل ما ستر المطلوب أو منع من الوصول إليه ، وقيل للستر حجاب لمنعه للمشاهدة ، ( وضرب بينهم وبين السعداء ) وهم المؤمنون الموسعة صدورهم لقبول نور الإيمان ( بسور ) أي بحائط ( له باب ) يدخل فيه المؤمنون ( باطنه ) أي باطن السور أو الباب ( فيه الرحمة ) لأنه يلي الجنة ، ( وظاهره من قبله العذاب ) أي من جهته لأنه يلي النار يشير بذلك إلى قوله تعالى :يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْأي انتظرونا فإنهم يسرح بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف ، أو أنظروا إلينا فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيؤن بنورهم بين أيديهم قيل : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا بتحصيل المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة فإنه يتولد منها ، وهو تهكم بهم وتخييب من المؤمنين أو من الملائكة ، فضرب بينهم بسورة الآية . ( ونتوب إليه توبة من يوقن أنه رب الأرباب ) أي سيد السادات ومالك الملوك ( ومسبب الأسباب ) جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى غيره وقد سببه إياها وسبب له إذا أمكنه منهما ، ( وترجوه رجاء من يعلم أنه الملك ) المستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ، ومحتاج إليه كل موجود ( الرحيم ) وهو
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 546 | مرتضى الزبيدي