الملك الرحيم الغفور التوّاب ، ونمزج الخوف برجائنا مزج من لا يرتاب ، إنه مع كونه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب .
ونصلي على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وعلى آلة وصحبه صلاة تنقذنا من هول المطلع يوم العرض والحساب . وتمهد لنا عند اللّه زلفى وحسن مآب .
أما بعد فإن التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب علام الغيوب ، مبدأ طريق السالكين ، ورأس مال الفائزين ، وأوّل أقدام المريدين ، ومفتاح استقامة المائلين ، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين ، ولأبينا آدم عليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء أجمعين ، وما أجدر بالأولاد ، الاقتداء بالآباء والأجداد ، فلا غرو أن أذنب الآدمي
شرح
مفيض الخير على المحتاجين تماما وعموما ( الغفور ) أي تام الغفران وكامله حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة ( التواب ) وهو الذي يرجع إلى تيسر أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من آياته ويسوق إليهم من تنبيهاته ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته ، حتى إذا طلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه فرجعوا إلى التوبة فرجع إليهم فضل اللّه تعالى بالقبول ، ( ونمزج الخوف برجائنا مزج من لا يرتاب ) أي لا يشك ، ( أنه مع كونه غافر الذنب وقابل التوب ) مصدر كالتوبة وقيل جمعها ( شديد العقاب ) أي مشددة أو الشديد عقابه وتوسط الواو بين الأولين لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة أو تغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد أو تغاير موقع الفعلين لأن الغفر هو الستر وذلك لمن لم يتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له .
( ونصلي ) ونسلم ( على ) سيدنا ومولانا ( محمد و ) على ( آله وصحبه ) الأكرمين ( الأئمة الأنجاب ) وسقط ذلك من بعض النسخ ، ( صلاة تنقذنا ) أي تخلصنا ( من هول ) أي مخافة ( المطلع ) هو مفتعل اسم مفعول موضع الاطلاع من المكان المرتفع إلى المنخفض ، وهو المطلع من ذلك شبه ما يشرب عليه من أمور الآخرة ( يوم العرض ) على اللّه ( للحساب ) بذلك ، ( وتمهد لنا ) أي تهيء وتبسط ( عند اللّه زلفي ) وهو اسم المصدر بمعنى القربة والمنزلة ( وحسن مآب ) أي مرجع .
( أما بعد ، فإن التوبة من الذنوب بالرجوع إلى سائر العيوب وعلام الغيوب مبدأ طريق السالكين ) إلى اللّه ( وراس مال الفائزين ) بوصال اللّه ، ( وأول أقدام المريدين ) في سلوك طريق اللّه ، ( ومفتاح استقامة المائلين ) في زخارف الاشتباه بل هي أصل كل مقام وقوامه ومفتاح كل حال وهي أول المقامات وهي بمثابة الأرض للبناء ، فمن لا أرض له لا بناء له ، ومن لا توبة له لا حال له ولا مقام ، ( و ) هي ( مطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين ) في حضرة الربوبية ، ( ولأبينا آدم ) صلى اللّه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ( أجمعين وما أجدر ) أي