فدخل حماما ولبس ثياب غيره وخرج فوقف في الطريق حتى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا : إنه طرّار وهجروه ، وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول ، فإن المعتزل في بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته ، فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور ، وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به جزعت نفسه وتألمت ، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم ، وربما يحتاج إلى إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به ، وبه يتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة .
ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظم ، ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس ، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى وقطع طمعه عن الناس رأسا أصبح الناس كلهم عنده
شرح
وإقبال الناس عليه ) فأراد أن يخلع نفسه عن ذلك ، ( فدخل حماما و ) لما خرج ( لبس ثوب غيره ، فخرج ووقف في الطريق حتى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا : إنه طرّار ) وهو الذي يقطع النفقات على غفلة من أهلها ( وهجروه ) فاستراح من الناس ، وقد سبق ذكر هذه الحكايات في المقدمة ، وذكرنا هناك اعتراض ابن الجوزي وابن القيم في اعتراضهما على المصنف في تقرير مثل هذا وأمثالها وذكرنا الجواب عنه . ( وأقوى الطريق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس ) جملة ( والهجرة إلى موضع الخمول ) يصح له فيه خمول ذكره ، ( فإن المعتزل في بيته في البلدة التي هو بها مشهور ) ومعروف ومذكور ( لا يخلو من حب المنزلة التي تترشح له في القلوب بسبب منزلته ، فربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور ) قد غره الشيطان بذلك ، بل ربما تكون فتنة هذا أعظم من فتنة الذي هو مخالط للناس ، ( وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها ) ولذا كان بعض الشيوخ يقول : لا أعرف لانكباب الناس عليّ وجها إلا لكوني اعتزلتهم في بيتي ، وإلّا فالذي عندي موجود عند غيري . ( ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه ) من الصلاح والورع والزهد ( وذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به جزعت نفسه ) لا محالة ( وتألمت ، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم ، وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ) وتزوير ( ولا يبالي به ) وهذا هو الفارق ، ( وبه يتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة ) وأنه لم يخرج ذلك من قلبه ، ( ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال بل هو شر منه ، فإن فتنة الجاه أعظم ) من فتنة المال ، ( ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس ) وهذا هو الجاه ، ( فإذا أحرز قوته من كسبه بيده أو من جهة أخرى وقطع طمعه من الناس رأسا أصبح الناس