فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ، ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له . فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها ، ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي - كما سبق - صغر الجاه في عينه ، إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده ، ويكون حاله كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن عبد العزيز : ( أما بعد : فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات ) فانظر كيف مدّ نظره نحو المستقبل وقدره كائنا . وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حين كتب في جوابه : ( أما بعد : فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل ) ، فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة ، فكان عملهم لها بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقين فاستحقروا الجاه والمال في الدنيا . وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب ، ولذلك قال تعالى :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا *
شرح
( فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ) غالبا ، ( ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له ، فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها ) بعد الموت . ( ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي كما سبق ) ذكره قريبا . ( صغر الجاه في عينه إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة فكأنه يشاهدها ) من وراء ستر رقيق ( ويستحقر العاجلة ويستهون أمرها ( ويكون الموت كالحاصل عنده ) حالا ، ( ويكون حاله كحال الحسن البصري ) رحمه اللّه تعالى ( حيث كتب إلى عمر بن عبد العزيز ) أخي عبد الملك وهو يومئذ خليفة . ( أما بعد : فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات ) فانظر كيف مد نظره نحو المستقبل وقدره كائنا ، وكذلك عمر ابن عبد العزيز حيث كتب في جوابه ( أما بعد : فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل ) وهذا الكتاب وجوابه أخرجهما أبو نعيم في الحلية وقد تقدم ذكرهما في كتاب ذم الدنيا .
( فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة ، فكان عملهم لها بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقين فاستحقروا المال والجاه في الدنيا ) وإليه أشار القائل :إن للّه عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا( وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب ) لقصورها ، ( ولذلك قال تعالىبَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ