كالأرذال ، فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن ، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ، ولا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة . فمن قنع استغنى عن الناس وإذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس ولم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن ، ولا يتم ترك الجاه إلا بالقناعة وقطع الطمع . ويستعين على جميع ذلك بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول والذل مثل قولهم : المؤمن لا يخل من ذلة أو قلة أو علة . وينظر في أحوال السلف وإيثارهم للذل على العز ورغبتهم في ثواب الآخرة رضي اللّه عنهم أجمعين .
بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم :
اعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم ، فصارت حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم ، وذلك من
شرح
كلهم عنده كالأرذال ) أي الاسقاط ، ( فلا يبالي كانت له منزلة في قلوبهم أم لم تكن ، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه ) متباعدون ( في أقصى الشرق ) أو الغرب ، ( لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ولا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة ، فمن قنع ) عزو ( استغنى عن الناس وإذا استغنى ) عنهم ( لم يشغل قلبه بالناس ولم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن ) أي مقدار ، ( ولا يقطع ذلك الجاه إلا بالقناعة ) باليسير من الرزق ( وقطع الطمع ) عما في أيديهم ، ( ويستعين على جميع ذلك بالأخبار الواردة في ذم الجاه و ) في ( مدح الخمول والذل مثل قولهم : المؤمن لا يخلو من ذلة أو قلة ) أي من المال ( أو علة ) وهو قول مشهور على ألسنة الناس ، ويستأنس له بما رواه ابن لآل في مكارم الأخلاق من حديث أبان عن أنس مرفوعا « المؤمن بين خمس شدائد مؤمن يحسده ومنافق يبغضه وكافر يقاتله ونفس تنازعه وشيطان يضله » . ومما يستعين عليه من الأخبار ما رواه الديلمي عن أبان عن أنس رفعه « المؤمن بيته قصب وطعامه كسر وثيابه خلق ورأسه شعث وقلبه خاشع ولا يعدل بالسلامة شيئا » ( وينظر ) مع ذلك ( في أحوال السلف ) في الكتب المتضمنة لها كالحلية لأبي نعيم ( وإيثارهم الذل على العز ورغبتهم في ثواب الآخرة ) وتركهم حظوظ الدنيا العاجلة ، ثم ينظر أنها بأجمعها ستفنى ولا يبقى معه إلى ما بعد الموت ، فما تأمل الناظر في ذلك إلا وقنع بالدون ورضي باليسير وقطع أثر حب الجاه من قلبه ، واللّه الموفق .