شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا ، بل الدنيا دار أحزان وغموم لا دار فرح وسرور ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل اللّه عليك بالعلم والتقوى لا بمدح المادح ، فإن اللذة في استشعار الكمال والكمال موجود من فضل اللّه لا من المدح والمدح تابع له فلا ينبغي أن تفرح بالمدح ، والمدح لا يزيدك فضلا وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون ، ومثالك مثال من يهزأ به إنسان ويقول : سبحان اللّه ما أكثر العطر الذي في أحشائه وما أطيب الروائح التي تفوح منه ؟ إذا قضى حاجته ، وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ، ثم يفرح بذلك فكذلك إذا أثنوا عليك بالصلاح والورع ففرحت به واللّه مطلع على خبائث باطنك وغوائل سريرتك وأقذار صفاتك . كان ذلك من غاية الجهل . فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك التي هي من فضل اللّه عليك ، وإن كذب فينبغي أن يغمك ذلك ولا تفرح به .
وأما السبب الثاني : وهو دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا لتسخير قلب آخر ، فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب - وقد سبق وجه معالجته -
شرح
كما تقدم ( دار أحزان وغموم ) وانكاد تتوالى ( لا دار فرح وسرور ، ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل اللّه عليك بالعلم والتقوى لا بمدح المادح ) لك به ، ( فإن اللذة ) إنما هي ( في استشعار الكمال والكمال موجود من فضل اللّه تعالى لا من مدح المادح ، والمدح تابع له فلا ينبغي أن يفرح بالمدح والمدح لا يزيدك فضلا ) هذا كله إذا كنت متصفا بما مدحت به ، ( وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجهل ) ونهاية الجنون ، ( ومثالك من يهزأ به انسان ويقول : سبحان اللّه ما أكثر العطر الذي في أحشائه ) أي مطاوي بطنه ، ( وما أطيب الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته وهو يعلم ما تشمل عليه أمعاؤه ) في الباطن ( من الأقذار والأنتان ، ثم يفرح بها ) ولا يدرك الذي يستهزئ به . ( وكذلك أنت إذا أثنوا عليك بالصلاح والورع ففرحت به واللّه مطلع على خبائث باطنك وغوائل سريرتك وأقذار صفتك ) مما يجانب الصلاح والتقوى . ( كان ذلك من غاية الجهل . فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك التي هي من فضل اللّه عليك ) ولا يكن فرحك بالمدح ، ( وإن كذب ) في مدحه ، ( فينبغي أن يغمك ذلك ولا تفرح .
وأما السبب الثاني : وهو دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا لتسخير قلب آخر ، فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب - وقد سبق وجه معالجته ) قريبا -