الخالق . وهذا هو مذهب الملامتية ، إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس فيسلموا من آفة الجاه ، وهذا غير جائز لمن يقتدي به فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين ، وأما الذي لا يقتدي به فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك ، بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس ، كما روى أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد ، فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ويعظم اللقمة ، فلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف ، فقال الزاهد : الحمد للّه الذي صرفك عني .
ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب الخمر فيسقط من أعين الناس . وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير ، كما فعل بعضهم ، فإنه عرف بالزهد وأقبل الناس عليه ،
شرح
عنهم ( ويقنع بالقبول من الخالق ، وهذا هو منهج الملامتية ) وهم طائفة من الفقراء ، وأساس طريقهم على تحقيق كمال الإخلاص ، ( إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم عن أعين الخلق فيسلموا من آفة الجاه ) لأن من شأنهم أنهم لا يظهر ما في باطنهم على ظاهرهم ويضعون الأمور مواضعها لا تخالف إرادتهم وعملهم إرادة الحق وعلمه ، ولا ينفون الأسباب التي في محل يقتضي نفيها وعكسه ، فإن من دفع السبب من موضع أثبته واضعه فقد سفه وجهل قدره ، ومن اعتمد عليه في موضع نفاه لشرك وألحد وهؤلاء هم الذين جاء في حقهم أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري . ( وهذا ) المسلك ( غير جائز لمن يقتدي به ، فإنه يوهن الدين ) أي يضعفه ( في قلوب المسلمين ، وأما الذي لا يقتدي به فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك ، بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس ، كما روي أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد ) ليزوره ، ( فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ) أي بحرص ( ويعظم اللقمة فلما نظر إليه الملك سقط من عينه ) إذ كان بلغه صلاحه وإنه صائم الدهر ( وانصرف ) عنه ، ( فقال الزاهد : الحمد للّه الذي صرفك عني ) وفي بعض النسخ زيادة :
وأنت لي ذام . أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة وهب بن منبه وفيه : فأقبل على طعامه يأكله ، فقال الملك : فأين الرجل ؟ قيل له : هو هذا ، قال : هذا الذي يأكل ؟ قالوا : نعم ، قال : ما عند هذا من خير فأدبر فقال الرجل : الحمد للّه الذي صرفك عني بما صرفك به ، وسيأتي ذلك قريبا للمصنف . ( ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن أنه يشرب الخمر فيسقط ) مقامه ( عن الأعين ، وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه ) فإن الفقه لا يرى ذلك جائزا ويفتي بحرمة فعله لأجل التشبيه بالمحرمات ، ( إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتى به في الفقه ) ولا يجوّزه الفقيه ( مهما رأوا فيه صلاح قلوبهم ، ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير كما فعل بعضهم ، فإنه عرف بالزهد