تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ الأعلى : 16 ، 17 ] وقال عز وجل :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
[ القيامة : 20 ، 21 ] فمن هذا حدّه ، فينبغي أن يعالج قلبه من حب الجاه بالعلم بالآفات العاجلة ، وهو أن يتفكر في الأخطار التي تستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا ، فإن كل ذي جاه محسود ومقصود بالإيذاء وخائف على الدوام على جاهه ومحترز من أن تتغير منزلته في القلوب ، والقلوب أشدّ تغيرا من القدر في غليانها وهي مترددة بين الإقبال والإعراض ، فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبني على أمواج البحر فإنه لا ثبات له ، والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء كل ذلك غموم عاجلة ومكدرة للذة الجاه ، فلا يفي في الدنيا مرجوّها بمخوفها فضلا عما يفوت في الآخرة ، فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة . وأما من نفذت بصيرته وقوي إيمانه فلا يلتفت إلى الدنيا ، فهذا هو العلاج من حيث العلم . وأما من حيث العمل : فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول ويرد الخلق ويقنع بالقبول من
شرح
وَأَبْقىوقال تعالىكَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ )إلى غيرها من الآيات . ( فمن هذا حدّه فينبغي أن يعالج قلبه في حب الجاه بالعلم بالآفات العاجلة ، وهو أن يتفكر في الأخطار ) أي الأمور العظيمة ( التي تستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا ) أي يصابون بها ، ( فإن كل ذي جاه محسود ) بين الناس ( ومقصود بالإيذاء وخائف على الدوام على جاهه ومحترز من أن تتغير منزلته في القلوب ، والقلوب أشد تغييرا ) وانقلابا ( من القدر في غليانها ) كما رود ذلك في الخبر وتقدم في كتاب عجائب القلب ، ( وهي مترددة بين الإقبال والإعراض ) إما أن تقبل وإما أن تعرض ، ( فكل ما ينبني على قلوب الخلق يضاهي ) أي يشابه ( ما يبنى على أمواج البحر فإنه لا ثبات له ) فكذلك ما يبنى على قلوب الخلق لا ثبات له ، ( والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء كل ذلك غموم عاجلة ) وكدورات متواصلة لا ينفك عنها ( و ) هي ( مكدرة للذة الحياة ) وفي بعض النسخ الجاه ، ( فلا يفي في الدنيا مرجوّها بمخوفها ) إذ مخوفها أكثر من مرجوّها ، ( فضلا عما يفوت في الآخرة ، فهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة . وأما من نفذت بصيرته ) واستنارت ( وقوي إيمانه لم يلتفت إلى الدنيا ) لكمال علمه بأحوالها . ( فهذا هو العلاج من حيث العلم . وأما من حيث العمل فإسقاط الجاه من قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها ) ويطعن فيها ، ( حتى يسقط عن أعين الخلق وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول ويرد الخلق ) وما يأتي