تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب وقد يغتر بالحجاب الأول ، وأول الحجب بين اللّه وبين العبد هو نفسه فإنه أيضا أمر رباني وهو نور من أنوار اللّه تعالى ، أعني سر القلب الذي تتجلى فيه حقيقة الحق كله حتى أنه ليتسع لجملة العالم ويحيط به وتنجلي فيه صورة الكل ، وعند ذلك يشرق نوره إشراقا عظيما إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه وهو في أول الأمر محجوب بمشكاة هي كالساتر له ، فإذا تجلى نوره وانكشف جمال القلب بعد إشراق نور اللّه عليه ربما التفت صاحب القلب إلى القلب فيرى من جماله الفائق ما يدهشه ، وربما يسبق لسانه في هذه الدهشة فيقول : أنا الحق فإن لم يتضح له ما وراء ذلك اغتر به ووقف عليه وهلك ، وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية ولم يصل بعد إلى القمر ، فضلا عن الشمس فهو مغرور . وهذا محل
شرح
البشرية ولأجلها تسمى أربابا ، ويكون اللّه رب الأرباب كذلك ، ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة ، فبالحري أن يكون مثالها من عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب ، وسالك الطريق ينتهي إلى ما درجته درجة الكوكب فيتضح له إشراق نوره ويتضح له من جماله وعلوّ درجته ما يبادر ، فيقول : هذا ربي إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر رأى أفول الأول في مغرب الهوى بالإضافة إلى ما فوقه فقال :لا أُحِبُّ الْآفِلِينَوكذلك يترقى حتى ينتهي إلى ما مثله الشمس فيراه أكبر وأعلى فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه ، والمناسبة مع ذي النقص نقص وأفول أيضا فمنه يقول :وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَومعنى « الذي » إشارة مبهمة لا مناسبة لها . إذ لو قال قائل : ما مثال مفهوم الذي لم يتصور أن يجاب عنه فالمنزه عن كل مناسبة هو اللّه الحق . ( وسالك هذا الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب ) فيظن أنه قد وصل ( وقد يغتر بالحجاب الأول ، وأول الحجب بين اللّه وبين العبد هو نفسه فإنه أيضا أمر رباني ) أي هو من عالم الأمر ، ( وهو نور من أنوار اللّه أعني سر القلب ) أي باطنه ( الذي تتجلى فيه حقيقة الحق كله ) توكيد من الضمير المجرور ، ( حتى أنه ) أي القلب ( ليتسع لجملة العالم ويحيط به ) إحاطة كلية ( وتتجلى فيه صورة الكل ) ولذا عبر عنه بالعالم الأكبر ، ( وعند ذلك يشرق نوره إشراقا عظيما إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه وهو في أول الأمر محجوب بمشكاة هي كالساتر له ) عن مشاهدة ما وراء ذلك ، ( فإذا تجلّى نوره وانكشف جمال القلب بعد إشراق نور اللّه عليه وربما التفت صاحب القلب إلى القلب فيرى من جماله الفائق ما يدهشه ) ويستغرق الهم به ، وينظر إلى كمال ذاته وقد تزين بما تلألأ فيه من حلية الحق ، ( وربما يسبق لسانه في هذه الدهشة ) والاستغراق بالجلال والجمال فيظن أنه هو ( فيقول : أنا الحق ) كما وقع لأبي منصور الحلاج ، ويعبر عن هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز والتوسع لا أنه هو تحقيقا وهذه مزلة قدم ، ( فإن لم يتضح له ما وراء ذلك اغترّ به ووقف عليه وهلك ، وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية ولم يصل بعد