تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
قال اللّه تعالى اخبارا عنه :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي
[ الأنعام : 76 ] وليس المعنى به هذه الأجسام المضيئة ، فإنه كان يراها في الصغر ويعلم أنها ليست آلهة وهي كثيرة وليست واحدا ، والجهال يعلمون أن الكوكب ليس بإله فمثل إبراهيم عليه السلام لا يغره الكوكب الذي لا يغر السوادية ؛ ولكن المراد به أنه نور من الأنوار التي هي من حجب اللّه عز وجل وهي على طريق السالكين ، ولا يتصوّر الوصول إلى اللّه
شرح
متجل في ذاته بذاته لذاته ويكون الحجاب في الإضافة إلى محجوب لا محالة ، وإن المحجوبين من الخلق منهم من يحجب بمجرد الظلمة ، ومنهم من يحجب بالنور المحض ، ومنهم من يحجب بنور مقرون بظلمة ، وقد أشرنا إلى الصنفين الأولين قريبا ، والمحجوبون بمحض الأنوار أصناف كثيرة الواصلون منهم من اعتقد أن معبودهم واحد موصوف بصفة لا تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ ، وإن نسبته إلى الموجودات الحسية نسبة الشمس إلى الأنوار المحسوسة منه ، فتوجهوا من الذي يحرك السماوات ومن الذي أمر بتحريكها إلى الذي فطر السماوات وفطر الأمر بتحريكها ، فوصلوا إلى موجود منزه عن كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم ، إذ وجوده من قبله فأحرقت سبحات وجه الأول الأعلى جميع ما أدركه الناظرون وبصيرتهم ، إذ وجوده مقدسا منزها ، ثم هؤلاء انقسموا فمنهم من أحرق منه جميع ما أدركه بصره فانمحق وتلاشى ولكن بقي هو ملاحظا للجمال والقدس وملاحظا ذاته في جماله الذي ناله بالوصول إلى الحضرة الإلهية ، وانمحقت منها المبصرات دون المبصر ، وجاوز هؤلاء طائفة منهم خواص الخواص فأحرقتهم سبحات وجهه وغشيهم سلطان الجلال وامحقوا وتلاشوا في ذاته ، ولم يبق لهم لحاظ إلى أنفسهم بفنائهم عن أنفسهم ، ولم يبق إلا الواحد الحق وصار معنى كل شيء هالك إلا وجهه لهم ذوقا وحالا ، فهذه نهاية الواصلين ومنهم من لم يندرج في الترقي والعروج عن التفصيل المذكور ولم يطل عليه العروج ، فسبقوا في أول وهلة إلى معرفة القدس وتنزيه الربوبية في كل ما يجب تنزيهه عنه فغلب عليهم أولا ما غلب على الآخرين آخرا ، وهجم عليهم التجلي دفعة فأحرقت سبحات وجهه جميع ما يمكن أن يدركه بصر حسي أو بصيرة عقلية ، ويشبه أو يكون الأول طريق الخليل ، والثاني طريق الحبيب صلوات اللّه عليهما وسلامه ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( وإليه الإشارة بقول الخليل عليه السلام إذ قال تعالى أخبارا عنهفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ )أي أظلم( رَأى كَوْكَباً )من الكواكب( قالَ هذا رَبِّيوليس المعنى به ) الكوكب المعهود من ( هذه الأجسام المضيئة ) المركوزة في سطح السماء ، ( فإنه ) عليه السلام ( كان يراها ) أي تلك الكواكب ( في ) حالة ( الصغر ، ويعلم أنها ليست آلهة ) حاشاه من ذلك ( و ) مع ذلك ( هي كثيرة ) لا عدد يحويها ( وليست واحدة ) حتى يظن فيها الربوبية ( والجهال ) المحجوبون بظلمتهم ( يعلمون أن الكوكب ليس بالإلة ، فمثل إبراهيم عليه السلام ) في جلالة قدره وعصمته لا يغره الكوكب ( الذي لا يغر السوادية ) الجهال ، ( ولكن المراد به نور من الأنوار التي هي من حجب اللّه ) المشار إليها في الحديث السابق ( وهي ) أي حجب الأنوار ( على طريق السالك ) في