تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
الالتباس إذ المتجلي يلتبس بالمتجلى فيه كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة بالمرآة فيظن أنه لون المرآة ، وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج كما قيل :
رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر
وبهذه العين نظر النصارى إلى المسيح فرأوا إشراق نور اللّه قد تلألأ فيه فغلطوا فيه كمن رأى كوكبا في مرآة أو في ماء فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء فيمد يده إليه ليأخذه وهو مغرور ، وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى اللّه تعالى لا تحصى في مجلدات ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع علوم المكاشفة ، وذلك مما لا رخصة في ذكره ، ولعل القدر الذي ذكرناه أيضا كان الأولى تركه إذ السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن
شرح
إلى القمر فضلا عن الشمس فهو مغرور ، وهذا محل الالتباس ) فمن ليس له قدم راسخ في المعقولات لم يتميز له أحدهما عن الآخر ، ( إذ المتجلي يلتبس بالمتجلي فيه كما يلتبس لون ما يتراءى ) من صورة متلونة انطبعت ( في المرآة بالمرآة فيظن أنه لون المرآة ) وأن تلك الصورة صورة المرآة ، وهيهات ، فإن المرآة في ذاتها لا لون لها وشأنها قبول صور الألوان على وجه يتخايل إلى الناظرين إلى ظاهر الأمور أن ذلك هو صورة المرآة ، فكذلك القلب خال عن الصورة في نفسه وعن الهيئات وإنما هيئاته قبول ما فيه الهيئات والصور والحقائق فما يحمله يكون كالمتحد به تجوز إلا أنه كالمتحد به تحقيقا ، ( وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج ) فمن لا يعرف الزجاج والخمر إذا رأى زجاجة فيها خمر لم يدرك تباينهما فتارة يقول : لا خمر ، وتارة يقول لا زجاجة ( كما قيل ) :( رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها فتشاكل الأمر ) ( فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر )( وبهذه العين نظرت النصارى إلى المسيح عليه السلام فرأوا إشراق نور اللّه قد تلألأ فيه ) فقالوا باتحاد اللاهوت بالناسوت ( فغلطوا فيه ) غلطا فاحشا ، وقول من قال : أنا الحق إما أن يكون معناه ما ذكرنا من التجوز والتوسع ، وإما أن يكون قد غلط كما غلط النصارى ، وهو ( كمن يرى كوكبا في مرآة أو في ماء فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء فيمد إليه ) اليد ( ليأخذه وهو مغرور ) واعلم أن العبد في مجاوزته هذه الحجب سالك لا واصل ، وإنما الوصول أن تنكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا اللّه ، وإن نظر إلى همه فلا همّ له سواه فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت في كل ذلك إلى نفسه . ( وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى اللّه لا تحصى في مجلدات ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع علوم المكاشفة ، وذلك مما لا رخصة في ذكره ، ولعل القدر الذي ذكرناه ) آنفا