تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
وفرقة أخرى : جاوزوا هذه الرتبة وابتدأوا سلوك الطريق وانفتح لهم أبواب المعرفة ، فكلما تشمموا من مبادئ المعرفة رائحة تعجبوا منها وفرحوا بها وأعجبتهم غرابتها ، فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر فيها وفي كيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده على غيرهم ، وكل ذلك غرور لأن عجائب طريق اللّه ليس لها نهاية ، فلو وقف مع كل أعجوبة وتقيد بها قصرت خطاه وحرم الوصول إلى المقصد ، وكان مثاله مثال من قصد ملكا فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار وأنوار لم يكن قد رأى قبل ذلك مثلها ، فوقف ينظر إليها ويتعجب حتى فاته الوقت الذي يمكنه فيه لقاء الملك . وفرقة أخرى : جاوزوا هؤلاء ولم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار في الطريق ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة ولم يعرجوا على الفرح بها والالتفات إليها جادين في السير حتى قاربوا فوصلوا إلى حد القربة إلى اللّه تعالى ، فظنوا أنهم قد وصلوا إلى اللّه فوقفوا وغلطوا فإن للّه تعالى سبعين حجابا من نور لا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلا ويظن أنه قد وصل ، وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام إذ
شرح
( وفرقة أخرى : جاوزوا هذه الرتبة وابتدؤا بسلوك الطريق فانفتح لهم أبواب المعرفة فكلما تشمموا من مبادئ المعرفة رائحة تعجبوا منها ) لحسنها ( وفرحوا بها ) واطمأنوا إليها ( وأعجبهم غرائبها ) ومحاسنها ، ( فتقيدت قلوبهم بالإلتفات إليها والتفكر فيها وفي كيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده على غيرهم ، وكل ذلك غرور ) مع الإعجاب حيث انفتح له وانسد على غيره ، وأما الغرور فمن حيث تقيد القلب والالتفات وهو أعظم حجاب للسالك في سلوكه ( لأن عجائب طريق اللّه ليس لها نهاية ، فلو وقف مع كل أعجوبة وتقيد بها قصرت خطاه ) في سلوكه ( وحرم عن الوصول إلى المقصد ) وحيل بينه وبينه ( وكان مثاله مثال من قصد ملكا ) من الملوك ( فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار وأنوار ) ومتنزهات ( لم يكن رأى قبل ذلك مثلها ، فوقف ينظر إليها ) متعجبا منها ( حتى فاته الوقت الذي يمكن فيه لقاء الملك ) فحرم من مقصوده . ( وفرقة أخرى : جاوزوا هؤلاء ولم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار في الطريق وإلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة ولم يعرجوا على الفرح بها والالتفات إليها ) وقطعوا النظر عنها ( جادين في السير حتى قاربوا فوصلوا إلى حد القربة إلى اللّه ، فظنوا أنهم وصلوا إلى اللّه فوقفوا ) عن سيرهم اعتمادا على ظنهم ( وغلطوا فإن للّه تعالى سبعين حجابا من نور ) وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره كما في الخبر ، ( فلا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب ) أي النورانية ( إلا ويظن أنه قد وصل ) وتحقيقه أن اللّه تعالى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 517 | مرتضى الزبيدي