تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
تعالى إلا بالوصول إلى هذه الحجب وهي حجب من نور بعضها أكبر من بعض ، وأصغر النيران الكوكب فأستعير له لفظه وأعظمها الشمس وبينهما رتبة القمر ، فلم يزل إبراهيم عليه السلام لما رأى ملكوت السماوات حيث قال اللّه تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] يصل إلى نور بعد نور ويتخيل إليه في أول ما كان يلقاه أنه قد وصل ، ثم كان يكشف له أن وراءه أمرا فيترقى إليه ويقول : قد وصلت فيكشف له ما وراءه ، حتى وصل إلى الحجاب الأقرب الذي لا وصول إلا بعده فقال :
هذا أَكْبَرُ
[ الأنعام : 78 ] فلما ظهر له أنه مع عظمه غير خال عن الهوى في حضيض النقص والانحطاط عن ذروة الكمال قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأنعام : 79 ] وسالك هذه
شرح
سلوكه إلى اللّه تعالى ، ( ولا يتصور الوصول إلى اللّه إلا بالوصول إلى هذه الحجب وهي حجب من النور ) كالستائر الرفيعة التي تكون على أبواب حضرة الملوك في الدنيا ( وبعضها أعظم من بعض ) في الجرم وفي النور ، ( وأصغر النيرات الكوكب فاستعير له لفظه ) بجامع النور ، ( وأعظمها الشمس وبينهما رتبة القمر ) فهو أكبر من الكوكب وأضوأ وأصغر من الشمس وأقل نورا منها ، ( فلم يزل إبراهيم عليه السلام لما رأى ملكوت السماوات ) بعين بصره وبصيرته ( حيث قال تعالى :وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِيصل ) في سلوكه ( إلى نور بعد نور ويتحيل إليه في أول ما يلقاه أنه قد وصل ) إلى اللّه ( ثم كان يكشف له أن وراءه أمرا فيرتقي إليه ويقول : قد وصلت ) إلى اللّه ( فيكشف له ما وراءه حتى وصل إلى الحجاب الأقرب الذي لا وصول إلا بعده ) أي بعد رفعه وقطعة ( فقال :هذا أَكْبَرُفلما ظهر له أنه مع عظمه ) الذي يذكر فيه أن قدر سعة الدنيا كذا وكذا مرة ( غير خال عن الهوى ) أي السقوط ( في حضيض النقص والإنحطاط عن ذروة الكمال ) البالغ ( قال :لا أُحِبُّ الْآفِلِينَإِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )حنيفا وما أنا من المشركين ، وإلى هذا المعراج الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « وأنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر اللّه سبعين مرة » . قال المصنف في مشكاة الأنوار لما كان عالم الشهادة مرقى إلى عالم الملكوت وكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى ، فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخرة فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال شيء من ذلك العالم ، وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من الملكوت ، وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة ، وإنما يكون مثالا إذا ماثل نوعا من المماثلة وطابقه نوعا من المطابقة . مثال ذلك إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة تفيض الأنوار على الأرواح
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 519 | مرتضى الزبيدي