تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
والسنة بعلم اللغة والنحو ، فأفنى هؤلاء أعمارهم في دقائق النحو وفي صناعة الشعر وفي غريب اللغة ، ومثالهم كمن يفني جميع العمر في تعلم الخط وتصحيح الحروف وتحسينها ، ويزعم أن العلوم لا يمكن حفظها إلا بالكتابة فلا بدّ من تعلمها وتصحيحها ، ولو عقل لعلم أنه يكفيه أن يتعلم أصل الخط بحيث يمكن أن يقرأ كيفما كان والباقي زيادة على الكفاية ، وكذلك الأديب لو عقل لعرف أن لغة العرب كلغة الترك والمضيع عمره في معرفة لغة العرب كالمضيع له في معرفة لغة الترك والهند ، وإنما فارقتها لغة العرب لأجل ورود الشريعة بها فيكفي من اللغة علم الغريبين في الأحاديث والكتاب ، ومن النحو ما يتعلق بالحديث والكتاب ، فأما التعمق فيه إلى درجات لا تتناهى فهو فضول مستغنى عنه ، ثم لو اقتصر عليه وأعرض عن معرفة معاني الشريعة والعمل بها فهذا أيضا مغرور ، بل مثاله مثال من ضيّع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن واقتصر عليه وهو
شرح
الكتاب والسنّة ، ( فأفنى هؤلاء أعمارهم ) النفيسة ( في ) معرفة ( دقائق النحو ) وغرائبه ( وفي ) معرفة ( صناعة الشعر وفي ) معرفة ( غرائب اللغة ) وسبب إفناء الأعمار فيها أن تلك العلوم لا تستقل بأنفسها في معرفتها ، بل لا بد معها من علوم أخر هي متوقفة عليها ، فعلم النحو يستدعي علم التصريف ، وعلم جواهر الحروف ، وعلم الإشتقاق ، وعلم الخط وغيرها ، وكذا علم اللغة يتوقف عليها . وعلم صناعة الشعر يزيد عليهما بمعرفة علم العروض ، وعلم القوافي ، وعلم العلل والزحاف وفي كل من ذلك تصانيف مستقلة ، فلا يكاد المشتغل ببعضها أن يفرغ إلى غيره فيفني العمر وهو لم يكمل في تلك العلوم . ( ومثالهم كمن يفني جميع العمر في تعلم الخط ) العربي ( وتصحيح الحروف وتحسينها ) وتحصيلها بأوزانها المذكورة عند أصحاب الفن ، ( ويزعم أن العلوم لا يمكن حفظها إلا بالكتابة فلا بد من تعلمها وتصحيحها ) فأفنوا أعمارهم على تحصيل ذلك وتركوا الاشتغال بالمهم من الدين ، وساعدهم مع ذلك رغبة أهل الدنيا إليهم فراجت صنعتهم ، ( ولو عقل ) المشتغل بعلم الكتابة ( لعلم أنه يكفيه أن يتعلم أصل الخط بحيث يمكن أن يقرأ ) ويوصل إلى المراد ( كيفما كان والباقي زيادة على ) قدر ( الكفاية ) ولذلك قالوا : خير العلم ما درى وخير الخط ما قرى ، ( وكذلك الأديب لو عقل لعرف أن لغة العرب كلغة الترك ، والمضيع عمره في معرفة لغة العرب كالمضيع عمره في معرفة لغة الترك والهند ) وغيرهما ، ( وإنما فارقتها لغة العرب لأجل ورود الشريعة بها ، فيكفي من اللغة علم الغريبين في الحديث والكتاب ، ومن النحو ما يتعلق بالحديث والكتاب ) من غير تعمق في كل منهما ، ( فأما التعمق فيه إلى درجات لا تتناهى فهو فضول مستغنى عنه ) والمضيع عمره فيه مضيع في فضول ، ( ثم لو اقتصر عليه وأعرض عن معرفة معاني الشريعة ) وفي نسخة المعاني الشرعية ( والعمل بها ) أي بمقتضاها ( فهو أيضا مغرور ، بل مثاله مثال من ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن واقتصر عليه وهو غرور إذا المقصد من
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 490 | مرتضى الزبيدي