تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
فهذا غرور هؤلاء ولو سمعوا على الشرط لكانوا أيضا مغرورين في اقتصارهم على النقل
شرح
الفقه وما ذكرناه مقطوع به في قوانين أصول الفقه ) الا أن المحدثين شاركوهم في الكلام على هذه المسألة استطرادا لشدة احتياجهم إلى معرفتها . ( فهذا غرور هؤلاء ) ولنورد من كلامهم في مفردات هذه المسألة وفاقا وخلافا ونجعل ذلك في فصول :

فصل [ في سماع الصغير في حال صغره حضورا ثم روايته بعد البلوغ ]

اختلف في سماع الصغير في حال صغره حضورا ثم روايته بعد البلوغ وكذا قبله على وجه وصفه البلقيني بالشذوذ ، فمنعه قوم فلم يقبلوا قبل البلوغ ، وقالوا : لأن الصبي مظنة عدم الضبط وهو وجه للشافعية ، وعليه أبو منصور محمد بن المنذر بن محمد المراكشي الشافعي ، فحكى ابن النجار في ترجمته من تاريخه : أنه كان يمتنع من الرواية أشد الامتناع ويقول : مشايخنا سمعوا وهم صغار لا يفهمون ، وكذلك مشايخهم . وأنا لا أرى الرواية عمن هذه سبيله ، ولذا كان ابن المبارك يتوقف في تحديث الصبي ، فروينا من طريق الحسن بن عرفة قال : قدم ابن المبارك البصرة فدخلت عليه وسألته أن يحدثني فأبى وقال : أنت الصبي فأتيت حماد بن زيد وقلت : يا أبا إسماعيل دخلت على ابن المبارك فأبى أن يحدثني ، فقال : يا جارية هاتي خفي وطيلساني وخرج معي يتوكأ على يدي حتى دخلنا على ابن المبارك فجلس معه على السرير وتحدثا ساعة ثم قال له حماد : لم لم تحدث هذا فقال : يا أبا إسماعيل هو صبي لا يفقه ما يحمله . فقال له حماد : يا أبا عبد الرحمن حدثه فلعله واللّه أن يكون آخر من يحدث عنك في الدنيا فحدثه وكان كذلك أخرجه الخطيب في التاريخ . ونحوه ما رواه البيهقي في الشعب من طريق أحمد بن عبد اللّه بن نجدة الخوطي قال : لما دخل بي أبي إلى أبي المغيرة - يعني عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي - وكان قد سمع منه أبي وأخي من قبلي ، فلما رآني أبو المغيرة قال لأبي من هذا ؟ قال : ابني . قال : وما تريد به ؟ قال : يسمع منك . قال : ويفهم ؟ فقال لي أبي وكنا في مسجد : قم فصلّ ركعتين وارفع صوتك بالتكبير والاستفتاح والقراءة والتسبيح في الركوع والسجود والتشهد ففعلت . فقال لي أبو المغيرة : أحسنت ثم قال لي أبي : حدثنا . فقلت : حدثني أبي وأخي ، عن أبي المغيرة ، عن أم عبد اللّه ابنة خالد بن معدان ، عن أبيها قال : من حق الولد على والده أن يحسن أدبه وتعلمه فإذا بلغ اثنتي عشرة سنة فلا حق له ، وقد وجب حق الوالد على ولده فإذا هو أرضاه فليتخذه شريكا وان لم يرضه فليتخذه عدوّا فقال لي أبو المغيرة : اجلس بارك اللّه عليك ثم حدثني به وقال : قد أغناك اللّه عن أبيك وأخيك . قل حدثني أبو المغيرة ، وقد ردّ على القائلين بعدم قبول رواية الصبي بإجماع الأئمة على قبول حديث جماعة من صغار الصحابة كالحسن والحسين ، والعبادلة ابن جعفر وابن الزبير وابن عباس والنعمان بن بشير والسائب بن يزيد والمسور بن مخرمة وأنس ومسلمة بن مخلد وعمر بن أبي سلمة ويوسف بن عبد اللّه بن سلام وأبي الطفيل وعائشة رضي اللّه عنهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده ، مع إحضار أهل العلم خلفا وسلفا من المحدثين وغيرهم صبيانهم مجالس أهل العلم ثم قبولهم من الصبيان ما حدثوا به من ذلك بعد البلوغ .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 484 | مرتضى الزبيدي