جميعا بقوله :
كَلَّا
يقول ليس هذا بأكرامي ولا هذا بهواني ، ولكن الكريم من أكرمته بطاعتي عنيا كان أو فقيرا . والمهان من أهنته بمعصيتي غنيا كان أو فقيرا .
وهذا الغرور علاجه معرفة دلائل الكرامة والهوان إما بالبصيرة أو بالتقليد .
أما بالبصيرة فبان يعرف وجه كون الالتفات إلى شهوات الدنيا مبعدا عن اللّه ، ووجه كون التباعد عنها مقربا إلى اللّه ويدرك ذلك بالإلهام في منازل العارفين والأولياء ، وشرحه من جملة علوم المكاشفة ولا يليق بعلم المعاملة .
وأما معرفته بطريق التقليد والتصديق ، فهو أن يؤمن بكتاب اللّه تعالى ويصدق رسوله ، وقد قال تعالى :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
[ المؤمنون : 55 ، 56 ] وقال تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 182 ] ، وقال تعالى :
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
[ الأنعام : 44 ] وفي تفسير قوله تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
أنهم كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة
شرح
( قال الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( كذبهما جميعا بقوله ( كلا ) يقول هذا ليس بكرامتي ولا هذا بهواني ، ولكن الكريم من أكرمته بطاعتي غنيا كان أو فقيرا والمهان من أهنته بمعصيتي غنيا كان أو فقيرا ) رواه عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن الحسن مختصرا بلفظ : كلا كذبتهما جميعا ما بالغنى أكرمك ولا بالفقر أهانك . وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه قال : ظن كرامة اللّه في المال وهو أنه في قلته وكذب إنما يكرم بطاعته من أكرم ويهين بمعصيته من أهان .
( وهذا الغرور علاجه معرفة دلائل الكرامة والهوان إما بالبصيرة ) النافذة ( وإما بالتقليد ) المحض
( إما بالبصيرة ) النافذة ( فبأن تعرف وجه كون الالتفات إلى شهوات الدنيا مبعدا عن اللّه ، ووجه كون التباعد عنها مقربا إلى اللّه ) ضرورة من أحب القرب من اللّه تباعد عن شهوات الدنيا ومن مال إليها بعد عن قرب اللّه ، ( ويدرك ذلك بإلهام ) رباني ينفث في روعه ( في منازل العارفين والأولياء ) ومقاماتهم وأحوالهم ، ( وشرحه ) من حيث التفصيل يستدعي بسط مقدمات وهو ( من جملة علوم المكاشفة ، ولا يليق بعلم المعاملة . وأما معرفته بطريق التقليد والتصديق فهو أن يؤمن بكتاب اللّه ويصدق رسوله ) فيما بلغه ، ( وقد قال تعالى ) في كتابه العزيز :( أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ )ما نريد بهم ( وقال تعالى :سَنَسْتَدْرِجُهُمْ )أي سنجرهم قليلا قليلا إلى العذاب