الكرامة بل عند ذوي البصائر يدل على الهوان . ومثاله : أن يكون للرجل عبدان صغيران يبغض أحدهما ويحب الآخر ، فالذي يحبه يمنعه من اللعب ويلزمه المكتب ويحبسه فيه ليعلمه الأدب ويمنعه من الفواكه وملاذ الأطعمة التي تضره ويسقيه الأدوية التي تنفعه والذي يبغضه ويهمله ليعيش كيف يريد فيلعب ولا يدخل المكتب ويأكل كل ما يشتهي فيظن هذا العبد المهمل أنه عند سيده محبوب كريم لأنه مكّنه من شهواته ولذاته وساعده على جميع أغراضه فلم يمنعه ولم يحجر عليه ، وذلك محض الغرور ، وهكذا نعيم الدنيا ولذاتها فإنها مهلكات ومبعدات من اللّه « فإن اللّه يحمي عبده من الدنيا وهو يحبه كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام والشراب وهو يحبه » . هكذا ورد في الخبر عن سيد البشر .
شرح
اغتر باللّه إذ ظن أنه كريم عند اللّه بدليل ) إحسانه إليه ، وهذا ( لا يدل على الكرامة بل عند ذوي البصائر يدل على الهوان ) والبعد والمقت ، ولقد هلك بهذا الغرور خلق كثير لا يحصون ، ولقد فاوضت مع جماعة أن أردهم عن هذا الظن الفاسد فلم يمكن ذلك ولا حول ولا قوّة إلا باللّه ما شاء اللّه كان .
( ومثاله : أن يكون للرجل عبدان صغيران يبغض أحدهما ويحب الآخر ، فالذي يحبه يمنعه من اللعب ويلزمه المكتب ويحبسه فيه ليعلمه الأدب ويمنعه من الفواكه ) الرطبة ( وملاذ الأطعمة التي تضره ويسقيه الأدوية ) المرة البشعة ( التي تنفعه ، والذي يبغضه يهمله ليعيش كيف يريد فيلعب ) طول نهاره مع الصبيان ، ( ولا يدخل المكتب ويأكل ما يشتهي ) من ألوان الطعام والفواكه ، ( فيظن هذا العبد المهمل أنه عند سيده محبوب كريم ، لأنه مكنه من شهواته ولذاته وساعده على جميع أغراضه ولم يمنعه ) عنها ( ولم يحجر عليه ، وذلك لأنه محض الغرور ) ونهاية الغفلة . ( وهكذا نعيم الدنيا ولذاتها فإنها مهلكات ومبعدات من اللّه ) تعالى ، ( وأن اللّه يحمي عبده من الدنيا وهو يحبه كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب وهو يحبه . هكذا ورد في الأخبار ) قال العراقي : رواه الترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه من حديث قتادة بن النعمان ا ه .
قلت : وروي ذلك أيضا من حديث محمود بن لبيد ، وأبي سعيد ، وأنس وحذيفة بلفظ حديث محمود بن لبيد : « إن اللّه يحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه » . هكذا رواه ابن عساكر ، ورواه أحمد ، إلا أنه قال : من الدنيا . ورواه الحاكم بهذا اللفظ من حديث أبي سعيد ، ولفظ حديث أنس : « إن اللّه تعالى ليحمي المؤمن من الدنيا نظرا وشفقة عليه كما يحمي المريض أهله من الطعام » رواه الديلمي . ولفظ حديث حذيفة إن اللّه تعالى يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مواقع الهلكة » رواه أبو الشيخ في الثواب ، وفي