وكان أرباب البصائر إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا أو قالوا : ذنب عجلت عقوبته ورأوا ذلك علامة المقت والإهمال ، وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا : مرحبا بشعار الصالحين . والمغرور إذا أقبلت عليه الدنيا ظن أنها كرامة من اللّه ، وإذا صرفت عنه ظن أنها هوان كما أخبر اللّه تعالى عنه إذ قال :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ
فأجاب اللّه عن ذلك
كَلَّا
[ الفجر : 15 - 17 ] أي ليس كما قال إنما وهو ابتلاء نعوذ باللّه من شر البلاء ، ونسأل اللّه التثبيت : فبين أن ذلك غرور . قال الحسن : كذبهما
شرح
رواية له بلفظ : « إن اللّه يتعاهد عبده بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير وإن اللّه ليحمي عبده من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام » وقد رواه أيضا الروياني ، والحسن بن سفيان ، وابن عساكر ، وابن النجار . وروى ابن النجار من حديث أنس : أوحى اللّه إلى موسى بن عمران عليه السلام : يا موسى إن من عبادي من لو سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته ، ولو سألني علاقة سوط لم أعطه ليس ذلك من هوان له عليّ ولكن أريد أن أدخر له في الآخرة من كرامتي وأحميه من الدنيا كما يحمي الراعي غنمه من مراعي السوء .
( وكان أرباب البصائر إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا وقالوا : ذنب عجلت عقوبته ، ورأوا ذلك أمارة المقت والإهمال ، وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا : مرحبا بشعار الصالحين .
رواه الديلمي من حديث أبي الدرداء مرفوعا قال : أوحى اللّه إلى موسى بن عمران عليه السلام : يا موسى ارض بكسرة خبز من شعير تسد بها جوعتك وخرقة تواري بها عورتك ، واصبر على المصيبات ، وإذا رأيت الدنيا مقبلة فقل إنا للّه وإنا إليه راجعون عقوبة عجلت في الدنيا ، وإذا رأيت الدنيا مدبرة والفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين . وروى الصابوني في المائتين نحوه عن الفضيل بن عياض وقد تقدم في كتاب ذم الدنيا .
( والمغرور إذا أقبلت عليه الدنيا ظن أنها كرامة من اللّه ) أكرمه بها ، ( وإذا صرفت عنه ظن أنه هوان ) به ( كما أخبر اللّه تعالى عنه ) في كتابه العزيز ( إذ قال :فَأَمَّا الْإِنْسانُ )وهو متصل بقوله :إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِمن الآخرة فلا يريد إلا السعي لها ، فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها .( إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ )إختبره الغني واليسر( فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ )بالمال والجاه( فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ )أي فضلني بما أعطاني( وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ )أي حبسه( فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ )لقصور نظره ومرد فكره ، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين والتوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا ، فلذلك ذمه على قوله وردعه عنه بقوله :( كَلَّاأي ليس كما قال إنما هو ابتلاء نعوذ باللّه من شر البلاء ، فبيّن أن ذلك غرور ) ولم يقل فأهانه وقدر عليه كما قال فأكرمه ونعمه ، لأن التوسعة تفضل والإخلال به لا يكون إهانة .