والعمل الصالح جميعا بالإيمان وحده ، فهؤلاء أيضا مغرورون أعني المطمئنين إلى الدنيا الفرحين بها المترفين بنعيمها المحبين لها الكارهين للموت خيفة فوات لذات الدنيا دون الكارهين له خيفة لما بعده ، فهذا مثال الغرور بالدنيا من الكفار والمؤمنين جميعا .
ولنذكر للغرور باللّه مثالين من غرور الكافرين والعاصين . فأما غرور الكفار باللّه ، فمثاله قول بعضهم في أنفسهم وبألسنتهم ، أنه لو كان للّه من معاد فنحن أحق به من غيرنا ونحن أوفر حظا فيه وأسعد حالا ، كما أخبر اللّه تعالى عنه من قول الرجلين المتحاورين إذ قال :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
[ الكهف : 36 ] وجملة أمرهما كما نقل في التفسير أن الكافر منهما بنى قصرا
شرح
بالإيمان والعمل الصالح جميعا لا بالإيمان وحده ، فهؤلاء أيضا مغرورون أعني المطمئنين إلى الدنيا ) المائلين إليها ، ( الفرحين بها المترفهين بنعيمها ) المتقلبين في لذاتها ، ( المحببين لها الكارهين للموت خيفة فوات لذات الدنيا ) فقط ( دون الكارهين له خيفة لما بعده ) من الأهوال والشدائد والوقوف بين يدي اللّه تعالى . ( فهذا مثال الغرور بالدنيا من الكفار والمؤمنين جميعا ) ومن المؤمنين من حجب بمحض الأنوار فاغتروا بها ، وهذا هو القسم الثالث من الأقسام التي ذكرناها ، وهم كذلك أصناف شتى وقد دخلهم الغرور في عقائدهم ومذاهيهم ، وإنما الواصل منهم صنف واحد وهم العارفون .
( ولنذكر للغرور باللّه مثالين من غرور الكافرين والعاصين . فأما غرور الكفار باللّه فمثاله قول بعضهم في أنفسهم وبألسنتهم : أنه لو كان للّه من معاد ) كما يزعمون ( فنحن أحق به من غيرنا ونحن أوفر حظا فيه ) من غيرنا ( وأسعد حالا ) من غيرنا ، ( كما أخبر اللّه تعالى عنه من قول الرجلين المتجاورين إذ قال ) أي الكافر وهما إخوان من بني إسرائيل مؤمن وكافر ، فالمؤمن اسمه يهوذا ، والكافر اسمه فرطس ، وقد ضرب اللّه لهم مثلا في كتابه العزيز فقال :وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً * وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُأي يراجعه في الكلام :أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً( وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً )أي كائنة( وَلَئِنْ )كانت قائمة ثم( رُدِدْتُ إِلى رَبِّي )بالبعث كما زعمت( لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها )أي من جنته( مُنْقَلَباً )[ الكهف : 32 - 36 ] أي مرجعا وعاقبة لأنها فانية وتلك باقية ، وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه لاستئهاله له واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما يلقاه ( وجملة أمرهما كما نقل في التفسير أن الكافر منهما ) واسمه فرطس كما تقدم أو فرطوس أو أبو فرطس قيل : ونهر أبي فرطس المشهور بفلسطين نسب إليه ( بنى قصرا بألف دينار واشترى بستانا