الروح فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه ، وإذا عرف نفسه وربه عرف أنه أمر رباني بطبعه وفطرته ، وأنه في العالم الجسماني غريب وأن هبوطه إليه لم يكن بمقتضى طبعه في ذاته بل بأمر عارض غريب من ذاته ، وذلك العارض الغريب ورد على آدم صلّى اللّه عليه وسلم وعبر عنه بالمعصية وهي التي حطته عن الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته فإنها في جوار الرب تعالى ، وأنه أمر رباني وحنينه إلى جوار الرب تعالى له طبعي ذاتي إلا أن يصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته فينسى عند ذلك نفسه وربه .
ومهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه إذ قيل له :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ الحشر : 19 ] أي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنة
شرح
في مسارح الفكر وخاضت غمرات ماهية الروح تاهت في التيه وتنوّعت آراؤها فيه ، ولو لزمت النفوس حدّها معترفة بعجزها كان ذلك أجدر بها وأولى ، وذلك ( كسّر القدر الذي منع من إفشائه ) والخوض في مشكلاته ، ( فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه عرف ربه ، وإذا عرف نفسه وربه عرف أنه أمر رباني بطبعه وفطرته ، وأنه في العالم الجسماني غريب ، وأن هبوطه إليه لم يكن بمقتضى طبعه في ذاته بل بأمر عارض غريب من ذاته ) . وتحقيقه أن الروح الإنساني العلوي السماوي من عالم الأمر ، والروح الحيواني البشري من عالم الخلق ، والروح الحيواني البشري محل الروح العلوي ومورده ، ولو ورد الروح الإنساني البشري العلوي تجنس الروح الحيواني وباين أرواح الحيوانات واكتسب صفة أخرى فصار نفسا مخلا للنطق والإلهام ، فتكوّنت النفس بتكوين اللّه تعالى من الروح العلوي في عالم الأمر كتكوين حواء من آدم في عالم الخلق وصار بينهما للتألف والتعاشق كما بين آدم وحواء ، فسكن الروح الآدمي الإنساني العلوي إلى الروح الحيواني وصيّره نفسا وتكوّن من سكون الروح إلى النفس القلب ، والمراد به اللطيفة التي محلها المضغة اللحمية ، فالمضغة اللحمية من عالم الخلق ، وهذه اللطيفة من عالم الأمر وكان تكون القلب من الروح والنفس في عالم الأمر كتكون الذرية من آدم وحواء في عالم الخلق . ( وذلك العارض الغريب ورد على آدم عليه السلام وعبّر عنه بالمعصية وهي التي حطته من الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته فإنها في جوار الرب تعالى وأنه أمر رباني وحنينه إلى جوار الرب تعالى طبيعي ذاتي إلا أن تصرفه عن مقتضى طبعه عوارض العالم الغريب عن ذاته فينسى عند ذلك نفسه وربه ، ومهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه إذ قيل له :وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ )أي تركوا معرفته ولم يذكروه( فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ )أي جعلهم ناسين لها فلم يعرفوها ففيه أن نسيان النفس من ثمرات نسيان الرب ، كما أن نسيان النفس يورث نسيان الرب والمطلوب معرفتهما جميعا فتضمحل النفس ويبقى الرب ، أو المعنى أنهم لما نسوا اللّه أراهم من أهوال الحجاب ما أنساهم أنفسهم أي حجبهم عن نور المعرفة بالظلمة المتراكمة على القلوب( أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَأي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنة استحقاقهم ) وهذا معنى صحيح