تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
الغرور . أما الذين غرتهم الحياة الدنيا فهم الذين قالوا : النقد خير من النسيئة والدنيا نقد والآخرة نسيئة فهي إذا خير فلا بد من إيثارها ، وقالوا : اليقين خير من الشك ولذات الدنيا يقين ولذات الآخرة شك فلا تترك اليقين بالشك . وهذه أقيسة فاسدة تشبه قياس
شرح
الأولى : زعمت أن عامة المطلب في الدنيا هي الأوطار ونيل الشهوات وإدراك اللذات البهيمية ، فهؤلاء عبيد اللذات يعبدونها ويطلبونها ويعتقدون أن نيلها غاية السعادة رضوا لأنفسهم أن يكونوا بمنزلة البهائم بل أخس حالا منها ، فأي ظلمة أشد من ذلك ؟ . فقد حجب هؤلاء بمحض الظلمة . والثانية : رأت أن غاية السعادات هي الغلبة والاستيلاء والفتك والسبي والقتل والأسر ، وهم محجوبون بظلمة الصفات السبعية لغلبتها عليهم . الثالثة : رأت أن غاية السعادات كثرة المال واتساع اليسار ، لأن المال هو آلة قضاء الشهوات كلها ، وبه يحصل للإنسان الاقتدار على قضاء الأوطار ، فهؤلاء همتهم جمع الأموال والإستكثار منها ، واكتساب الضياع والعقار والخيل والأنعام والحرث بركوب الأخطار في البراري والبحار . والرابعة : ترقت عن جهالة هؤلاء وتعاقلت وزعمت أن أعظم السعادات اتساع الجاه والصيت وانتشار الذكر وكثرة الاتباع ونفوذ الأمر المطاع ، فتراها لا همّ لها إلا المراءاة وعمارة أبصارهم ناظرين حتى أن الواحد قد يجوع في بيته ويتحمل الصبر ويصرف ماله إلى ثياب يتجمل بها عند خروجه كيلا ينظر إليه الناس بعين الحقارة ، وأصناف هؤلاء لا يحصون وكلهم محجوبون عن اللّه بمحض الظلمة وهي نفوسهم المظلمة . ( فمنهم من غرتهم الحياة الدنيا ، ومنهم من غرّهم باللّه الغرور ) ويدخل في ظلمة هؤلاء جماعة يقولون بلسانهم لا إله إلا اللّه ، ولكن حملهم على ذلك خوف أو استظهار بالمسلمين وتجمل بهم واستمداد من مالهم ، أو لأجل التعصب بنصرة مذهب الآباء ، وهؤلاء إذا لم تحملهم الكلمة على الكمال الصالح فلا تخرجهم الكلمة عن الظلمة إلى النور بل أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، أما من أثرت فيه الكلمة بحيث ساءته سيئة وسرته حسنة ، فهو خارج عن محض الظلمة وإن كان كثير المعصية . القسم الثاني : طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف : صنف منشأ ظلمتهم من الحس ، وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال ، وصنف منشأ ظلمتهم من مقايسات عقلية فاسدة ، وتحت كل صنف طوائف . فمن طوائف الصنف الأول عبدة الأوثان ، وعبدة الجمال المطلق ، وعبدة النار ، وعبدة الكواكب والثنوية . ( أما الذين غرتهم الحياة الدنيا فهم الذين قالوا : النقد ) وهو الحاضر المعجل في الحال ( خير من النسيئة ) وهو الغائب المقدر بالأجل فعلية من نسأ الأمر إذا أخره ( والدنيا نقد والآخرة نسيئة فإذا هي خير فلا بدّ من إيثارها ) على الآخرة ، ( وقالوا ) أيضا : ( اليقين خير من الشك ولذات الدنيا يقين ) أي متيقن بها لحصولها في الحال ( ولذات الآخرة شك ) إذ هي غير مرئية وإنما يحكى عنها ( فلا تترك اليقين بالشك ، وهذه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 412 | مرتضى الزبيدي