بل إن كان النقد مثل النسيئة في المقدار والمقصود فهو خير وإن كان أقل منها فالنسيئة خير ، فإن الكافر المغرور يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسيئة ولا يقول النقد خير من النسيئة فلا أتركه ، وإذا حذره الطبيب الفواكه ولذائذ الأطعمة ترك ذلك في الحال خوفا من ألم المرض في المستقبل فقد ترك النقد ورضي بالنسيئة . والتجار كلهم يركبون البحار ويتعبون في الأسفار نقدا لأجل الراحة والربح نسيئة ، فإن كان عشرة في ثاني الحال خيرا من واحد في الحال فانسب لذة الدنيا من حيث مدتها إلى مدة الآخرة ، فإن أقصى عمر الإنسان مائة سنة وليس هو عشر عشير من جزء من ألف ألف جزء من الآخرة . فكأنه ترك واحدا ليأخذ ألف ألف بل ليأخذ ما لا نهاية له ولا حدّ ، وإن نظر من حيث النوع رأى لذات الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات ولذات الآخرة صافية غير مكدرة ، فإذا قد غلط في قوله : النقد خير من النسيئة فهذا غرور منشؤه قبول لفظ عام مشهور أطلق وأريد به خاص ، فغفل به المغرور عن خصوص معناه . فإن من قال :
شرح
الأمر كذلك ، بل ) فيه تفصيل وذلك ( إن كان النقد مثل النسيئة في المقدار والمقصود ) بأن يتساويا فيهما بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر ( فهو ) حينئذ ( خير من النسيئة لأن عند التساوي يرجح ما هو الحاضر ) لسرعة الانتفاع به ( وإن كان أقل منها فالنسيئة خير ) منه ، وأما قولهم : عصفور في الكف خير من كركى في الجوّ فهو إشارة إلى تمني ما يعسر عليه الوصول له مع إمكانه ، فحينئذ الكثرة في الطرف الثاني غير معتبرة وكلامنا في النقد والنسيئة إذا كانا متيسرين على حدّ واحد ، ( فإن هذا الكافر ) المحجوب بظلمة الطبع ( المغرور ) في حاله ( يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسيئة ، ولا يقول النقد خير من النسيئة فلا أتركه ، وإذا حذره الطبيب الفواكه ) الرطبة ( ولذائذ الأطعمة ترك ذلك في الحال خوفا من ألم المرض في المستقبل وقد ) تراه ( ترك النقد ورضي بالنسيئة و ) أيضا فإن ( التجار كلهم يركبون البحار ويتعبون في الأسفار ) في البراري والقفار ( نقدا لأجل ) حصول ( الراحة والربح نسيئة ، فإن كان عشرة في ثاني حال خيرا من واحد في الحال فانسب لذة الدنيا من حيث مدتها إلى مدة الآخرة ، فإن أقصى عمر الإنسان مائة سنة ) وهو المقارب للعمر الطبيعي في الغالب ( وليس عشر عشير من جزء من ألف ألف جزء من الآخرة . فكأنه ترك واحدا ليأخذ ألف ألف بل ليأخذ ما لا نهاية له ولا حدّ ، وإن نظر من حيث النوع رأى لذات الدنيا ) كلها ( مكدرة ) ممررة ( مشوبة بأنواع المنغصات ) أي المكدرات ( ولذلت الآخرة ) بأسرها صافية غير مكدرة ولا منغصة ، وأيضا فلذات الدنيا إلى نفاد ولذات الآخرة إلى ازدياد ، ( فإذا قد غلط في قوله : النقد خير من النسيئة ) على الإطلاق ( فهذا غرور منشؤه قبول لفظ عام مشهور ) وضع وضعا واحدا لكثير غير محصور مستغرق لجميع ما يصلح له ( أطلق وأريد به ) معنى ( خاص ) معلوم على الانفراد ،