جياد ثم قال : « ارفع رأسك » فرفعت رأسي فإذا رجل عليه ثياب خلقه فقال لي : « يا أبا ذر هذا عند اللّه خير من قراب الأرض مثل هذا » وجميع ما ذكرناه في كتاب الزهد وكتاب ذم الدنيا وكتاب ذم المال يبين حقارة الأغنياء وشرف الفقراء عند اللّه تعالى ، فكيف يتصوّر من المؤمن أن يعجب بثروته ؟ بل لا يخلو المؤمن عن خوف من تقصيره في القيام بحقوق المال في أخذه من حله ووضعه في حقه ، ومن لا يفعل ذلك فمصيره إلى الخزي والبوار فكيف يعجب بماله ؟
الثامن : العجب بالرأي الخطأ . قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
[ الفاطر : 8 ] وقال تعالى :
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف :
104 ] وقد أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن ذلك يغلب على آخر هذه الأمة وبذلك هلكت الأمم السالفة إذ افترقت فرقا فكل معجب برأيه :
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
شرح
خلق محركة . يقال : ثوب خلق وثياب خلقان وقد خلق ككرم إذا بلي وتقطع ، ( فقال لي : « يا أبا ذر هذا عند اللّه خير من قراب الأرض مثل هذا » ) والقراب بالكسر مصدر قارب الأمر إذا داناه يقال : لو جاء بقراب الأرض أي بما يقاربها ولو أن لي قراب الأرض ذهبا أي ما يقارب ملأها . قال العراقي : رواه ابن حبان في صحيحه ا ه .
قلت : لكن لفظه : « يا أبا ذر انظر إلى أرفع رجل في المسجد في عينك » قال : فنظرت فإذا رجل عليه حلة . قلت : هذا . قال : « انظر إلى أوضع رجل في المسجد » قال : فنظرت فإذا رجل عليه خلاق . قلت : هذا . قال : « والذي نفسي بيده لهذا عند اللّه يوم القيامة خير من ملء الأرض مثل هذا وهكذا » . رواه أيضا أحمد وهناد كلاهما في الزهد ، وأبو يعلى في المسند ، والروياني ، والحاكم ، والضياء في المختارة .
( وجميع ما ذكرناه في كتاب الزهد وكتاب ذم الدنيا وكتاب ذم المال يبين حقارة الأغنياء وشرف الفقراء عند اللّه ) تعالى ، ( فكيف يتصوّر من المؤمن أن يعجب بثروته ) أي كثرة ماله ، ( بل لا يخلو المؤمن عن خوف من تقصيره في القيام بحقوق المال وأخذه من حله ووضعه في حقه ) وأنى يقوم بتلك الحقوق ، ( ومن لا يفعل ذلك ) أي لا يأخذ المال من حيث الحل ثم إذا أخذه كذلك لا يضعه في حقه ، ( فمصيره إلى الخزي والبوار ) أي الهلاك ، ( فكيف ) يتصوّر أن ( يعجب بماله ؟ ) .
( الثامن : العجب بالرأي الخطأ قال اللّه تعالى :أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً )أي زين له الشيطان في عينه فأعجب . ( وقال تعالى ) في حق الأخسرين أعمالا :( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاًوقد أخبر صلّى اللّه عليه وسلم أن ذلك ) أي الإعجاب بالرأي الخطا ( يغلب على هذه الأمة و ) أنه ( بذلك هلكت الأمم السالفة إذا افترقت فرقا ، فكل