[ المؤمنون : 53 ] وجميع أهل البدع والضلال إنما أصروا عليها لعجبهم بآرائهم والعجب بالبدعة هو استحسان ما يسوق إليه الهوى والشهوة مع ظن كونه حقا ، وعلاج هذا العجب أشد من علاج غيره لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطئه ولو عرفه لتركه ، ولا يعالج الداء الذي لا يعرف والجهل داء لا يعرف فتعسر مداواته جدا . لأن العارف يقدر على أن يبين للجاهل جهله ويزيله عنه ، إلا إذا كان معجبا برأيه وجهله فإنه لا يصغي إلى العارف ويتهمه ، فقد سلط اللّه عليه بلية تهلكه وهو يظنها نعمة فكيف يمكن علاجه وكيف يطلب الهرب مما هو سبب سعادته في اعتقاده ؟ وإنما علاجه على الجملة أن يكون متهما لرأيه أبدا لا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقل صحيح جامع لشروط الأدلة ، ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكامن الغلط فيها إلا بقريحة تامة وعقل ثاقب وجد وتشمر في الطلب وممارسة للكتاب والسنّة ومجالسة لأهل العلم طول العمر ومدارسة للعلوم ، ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور ، والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في
شرح
معجب برأيه :كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )يشير بذلك إلى حديث أبي ثعلبة الخشني ، فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ، وهو عند أبي داود والترمذي وقد تقدم في أوّل هذا الكتاب ، ( وجميع أهل البدع والضلال إنما أصروا عليها ) أي على بدعهم ( لعجبهم بآرائهم والعجب بالبدعة هو استحسان ما يسوق إليه الهوى والشهوة مع ظن كونه حقا ) وصوابأ . ( وعلاج هذا العجب أشد من غيره لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطئه ولو عرفه لتركه ) وباشر أسباب ما يضاده ، ( ولا يعالج الداء الذي لا يعرف والجهل داء لا يعرف فتعسر مداواته جدا ، إلا أن العارف يقدر على أن يبين للجاهل جهله ويزيله عنه ) بحسن العبارة والإلقاء ( إلا إذا كان معجبا بجهله ورأيه فإنه لا يصغي إلى العارف ) ولا يرفع له رأسا ( ويتهمه ، فقد سلط اللّه عليه بلية تهلكه وهو يظنها نعمة ، فكيف يمكن علاجه وكيف يطلب الهرب مما هو سبب سعادته في اعتقاده ) فهذا سبب عسر المداواة ، ( وإنما علاجه على الجملة أن يكون متهما لرأيه أبدا لا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنّة أو دليل عقلي صحيح جامع لشروط الأدلة ) يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى حصول المطلوب ، ( ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكامن الغلط منها إلا بقريحة تامة ) راجحة ، ( وعقل ثابت ) وذهن صحيح ( وجدّ وتشمر في الطلب ) قد عرف به وأكب عليه ، ( وممارسة في الكتاب والسنّة ) بكثرة المراجعة لهما في كل مهمة ، ( ومجالسة لأهل العلم طول العمر ومدارسة العلوم ) مع أهلها إلقاء وتقرير أو مباحثة ، ( ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور ) كما هو من عوائد البشر ، ( والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن يخوض في المذاهب ) وما