عليك داعية لا تجد سبيلا إلى مخالفتها ، فكأنه الذي اضطرك إلى الفعل إن كنت فاعلا تحقيقا فله الشكر والمنة لا لك - وسيأتي في كتاب التوحيد والتوكل من بيان تسلسل الأسباب والمسببات ما تستبين به أنه لا فاعل إلا اللّه ولا خالق سواه - والعجب ممن يتعجب - إذا رزقه اللّه عقلا وأفقره - ممن أفاض عليه المال من غير علم فيقول : كيف منعني قوت يومي وأنا العاقل الفاضل وأفاض علي هذا نعيم الدنيا وهو الغافل الجاهل ؟
حتى يكاد يرى هذا ظلما ، ولا يدري المغرور أنه لو جمع له بين العقل والمال جميعا لكان ذلك بالظلم أشبه في ظاهر الحال ، إذ يقول الجاهل الفقير : يا رب لم جمعت له بين العقل والغنى وحرمتني منهما فهلا جمعتهما لي أو هلا رزقتني أحدهما ؟ وإلى هذا أشار علي رضي اللّه عنه حيث قيل له : ما بال العقلاء فقراء ؟ فقال : إن عقل الرجل محسوب عليه من رزقه .
والعجب أن العاقل الفقير ربما يرى الجاهل الغني أحسن حالا من نفسه ، ولو قيل له
شرح
المقدور ) من أي عمل كان ( إلا بتسليط اللّه عليك داعية لا تجد سبيلا إلى مخالفتها ، فكأنه الذي اضطرك إلى الفعل إن كنت فاعلا تحقيقا فله الشكر والمنة ) وحده ( لا لك : وسيأتي في كتاب التوحيد والتوكل من بيان تسلسل الأسباب والمسببات ) وارتباط بعضها ببعض ( ما تستبين به أنه - لا فاعل إلا اللّه ولا خالق سواه - والعجب ممن يتعجب إذا رزقه اللّه عقلا ) وحكمة ( وأفقره ) أي جعله فقيرا معدما ( ممن أفاض عليه المال من غير علم ) ولا عقل ، ( فيقول : كيف منعني قوت يومي وأنا العاقل الفاضل وأفاض على هذا نعيم الدنيا وهو الجاهل الغافل حتى يكاد يرى هذا ظلما ) ، ومن ذلك قول ابن الراوندي الملحد :كم عاقل عاقل ضاقت معيشته * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصيّر العالم النحرير زنديقاوقال غيره :كم من قوي قوي في تقلبه * مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
وكم ضعيف ضعيف العقل مختلط * كأنه من خليج البحر يغترف( ولا يدري المغرور أنه لو جمع له بين العقل والمال جميعا لكان ذلك بالظلم أشبه في ظاهر الحال ) وإن لم يكن ظلما حقيقة ( إذ يقول الجاهل الفقير : يا رب لم جمعت له بين العقل والغنى وحرمتني منهما ، فهلا جمعتهما لي ) فجعلتني عاقلا غنيا ، ( أو هلا رزقتني أحدهما ؟ وإلى هذا أشار عليّ رضي اللّه عنه حيث قيل : ما بال العقلاء فقراء ؟ فقال : إن عقل الرجل محسوب عليه من رزقه ) أي فبقدر ما يعطى من العقل والحكمة ينقص من رزقه .
وفي لفظ : إن ذكاء الرجل والمعنى واحد ، ( والعجب أن العاقل الفقير ربما يرى الجاهل الغني