أما صريح الحق : فهو أنك وقدرتك وإرادتك وحركتك وجميع ذلك من خلق اللّه واختراعه ، فما علمت إذ عملت وما صليت إذ صليت :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] فهذا هو الحق الذي انكشف لأرباب القلوب بمشاهدة أوضح من أبصار العين ، بل خلقك وخلق أعضاءك وخلق فيها القوّة والقدرة والصحة ، وخلق لك العقل والعلم وخلق لك الإرادة ، ولو أردت أن تنفي شيئا من هذا عن نفسك لم تقدر عليه ، ثم خلق الحركات في أعضائك مستبدا باختراعها من غير مشاركة من جهتك معه في الاختراع ، إلا أنه خلقه على ترتيب فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوّة وفي القلب إرادة ، ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علما بالمراد ، ولم يخلق علما ما لم يخلق القلب الذي هو محل العلم ، فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الذي خيل لك انك
شرح
( أما صريح الحق ؛ فهو أنك وقدرتك وإرادتك وحركتك جميع ذلك من خلق اللّه تعالى واختراعه فما عملت إذ عملت ) إلا بإعانته ، ( وما صليت إذ صليت ) . إلا بتأييده ، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى يخاطب به حبيبه صلّى اللّه عليه وسلم :( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )وقد تقدم الكلام على هذا في مواضع من هذا الكتاب فأغنانا عن إعادته . ( فهذا هو الحق ) الصريح ( الذي انكشف لأرباب القلوب ) لما ترقوا من حضيض المجاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم ( بمشاهدة ) عيانية ( أوضح من إبصار العين ) فليس في الوجود إلا اللّه وكل شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ، وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأزل رؤى موجودا لا في ذاته لكن من الوجه الذي يلي موجده ، فيكون الموجود وجه اللّه فقط ولكل شيء وجهان : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه ، فهو باعتبار وجه نفسه عدم ، وباعتبار وجه اللّه موجود فإذا لا موجود إلا اللّه ووجهه ، ( بل خلقك وخلق أعضاءك وخلق فيها القوّة والقدرة والصحة ) والكمال ( وخلق لك العقل والعلم وخلق لك الإرادة ، ولو أردت أن تنفي شيئا من هذا عن نفسك لم تقدر عليه ، ثم خلق الحركات في أعضائك ) مختلفة الأحوال ( مستبدا بها ) أي مستقلا بذاته ( من غير مشاركة من جهتك معه في ) أصل ( الاختراع ) والابتداع ، ( إلا أنه خلقه على ترتيب ) بديع ( فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوّة ) لاحتمالها ( وخلق في القلب إرادة ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علما بالمراد ، ولم يخلق العلم ما لم يخلق القلب الذي هو محل العلم ) ومستقره ومصدر أحكامه ، فهذه الثلاثة مرتبة بعضها أعلى من بعض ، ولكل واحد مقام معلوم ودرجة خاصة لا تتعداه . وكذلك الأنوار الملكوتية إنما وجدت على ترتيب كذلك وهي لا تتسلسل إلى غير نهاية بل ترتقي إلى منبع أول هو النور لذاته وبذاته ليس يأتيه نور من غيره ومنه تشرق الأنوار كلها على ترتيبها . ( فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الذي خيل إليك أنك أوجدت عملك وقد غلطت ) في هذا التخييل ، ( وإيضاح ذلك وكيفية الثواب