تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
فمثله بالكلب
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
أي سواء آتيته الحكمة أو لم أوته لا يدع شهوته ، ويكفي العالم هذا الخطر فأي عالم لم يتبع شهوته وأي عالم لم يأمر بالخير الذي لا يأتيه ؟ فمهما خطر للعالم عظم قدره بالإضافة إلى الجاهل فليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده ، فإن خطره أعظم من خطر غيره كما أن قدره أعظم من قدر غيره ، فهذا بذاك . وهو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه فإنه إذا أخذ وقهر اشتهى أن يكون قد كان فقيرا ، فكم من عالم يشتهي في الآخرة سلامة الجهال ؟ والعياذ باللّه منه . فهذا الخطر يمنع من التكبر ، فإنه إن كان من أهل النار فالخنزير أفضل منه ، فكيف يتكبر من هذا حاله ؟ فلا ينبغي أن يكون العالم أكبر عند نفسه من الصحابة رضوان اللّه عليهم وقد كان بعضهم يقول : يا ليتني لم تلدني أمي ! ويأخذ الآخر تبنة من
شرح
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْواللهث إدلاع اللسان في التنفس الشديد أي يلهث دائما سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرض له بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده ، والشرطية في موضع الحال ، والمعنى لاهثا في الحالتين والتمثيل واقع موقع لازم التركيب الذي هو نفي الرفع ووهن المنزلة للمبالغة والبيان ، وقيل لما دعا على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب ( أي سواء آتيته أو لم أوته فلا يدع شهوته ) . وقال ابن عباس : أي إن حمل الحكمة لم يحملها وإن ترك لم يهتد لخير كالكلب إن كان رابضا يلهث وإن طرد يلهث . وقال قتادة : هذا مثل الكافر ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب . وقال عكرمة : هم أناس من اليهود والنصارى والحنفاء ممن أعطاه اللّه آياته وكتابه فانسلخ منها فجعله مثل الكلب . وقال مجاهد : قولهإِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِأي إن تطرده بدابتك ورجليك وهو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به . وقال الحسن : ( إن تحمل عليه ) أي تسعى عليه . وقال ابن جرير : الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع كان ضالا قبل وبعد . ( ويكفي العالم هذا الخطر فأي عالم لم يتبع شهوته ) وركن إليها ( وأي عالم لم يأمر بالخير الذي لا يأتيه ؟ فمهما خطر للعالم عظم قدره بالإضافة إلى الجاهل فليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده ، فإن خطره أعظم من خطر غيره ، كما أن قدره أعظم من قدر غيره ، فهذا ) يقابل ( بذاك ) فانظر أيهما أرجح ( وهو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه ، فإنه إذا أخذ وقهر ) وأذل ( اشتهى أن يكون قد كان فقيرا ) من آحاد الرعية ولم يكن ملكا ، ( فكم من عالم يشتهي في الآخرة ) لما يعاين الأهوال ( سلامة الجهال والعياذ باللّه تعالى منه ، فهذا الخطر يمنع من التكبر ) ويشغله عنه ( لأنه إن كان من أهل النار فالخنزير أفضل منه ) إذ لا حساب على الخنزير ، ( فكيف يتكبر من هذا حاله ، فلا ينبغي أن يكون العالم أكبر عند نفسه من الصحابة رضوان اللّه عليهم ، وقد كان بعضهم يقول : يا ليتني لم تلدني أمي ) روي ذلك من قول عمر رضي اللّه عنه بلفظ : ليت أم عمر لم تلد عمر ليتني كبشا لأهلي فسمنوني