الأرض ويقول : يا ليتني كنت هذه التبنة ! ويقول الآخر : ليتني كنت طيرا أؤكل ! ويقول الآخر : ليتني لم أك شيئا مذكورا ! كل ذلك خوفا من خطر العاقبة ، فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالا من الطير ومن التراب . ومهما أطال فكره في الخطر الذي هو بصدده زال بالكلية كبره ، ورأى نفسه كأنه شر الخلق .
ومثاله : مثال عبد أمره سيده بأمور فشرع فيها ، فترك بعضها وأدخل النقصان في بعضها وشك في بعضها أنه هل أداها على ما يرتضيه سيده أم لا ؟ فأخبر مخبر أن سيده أرسل إليه رسولا يخرجه من كل ما هو فيه عريانا ذليلا ويلقيه على بابه في الحر والشمس زمانا طويلا ، حتى إذا ضاق عليه الأمر وبلغ به المجهود أمر برفع حسابه وفتش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ثم أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم لا يروح عنه ساعة ، وقد علم أن سيده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك وعفا عن بعضهم وهو لا يدري من أي الفريقين يكون ؟ فإذا تفكر في ذلك انكسرت نفسه وذل وبطل عزه وكبره وظهر حزنه وخوفه ولم يتكبر على أحد من الخلق ، بل تواضع رجاء أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب ، فكذلك العالم إذا تفكر فيما ضيعه من أوامر ربه بجنايات
شرح
فذبحوني وأكلوني ، ( ويأخذ الآخر ) منهم ( تبنة من الأرض ويقول : يا ليتني كنت هذه التبنة ، ويقول الآخر : ليتني كنت طيرا ) آوي إلى الأشجار وآكل الثمار ولا أشاهد هول القيامة ، ( ويقول الآخر : ليتني لم أك شيئا مذكورا . كل ذلك خوفا من خطر العاقبة ، فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالا من الطير ومن التراب ) ومن التبنة وما أشبه ذلك من المحتقرات ، ( ومهما أطال فكره في الخطر الذي هو بصدده زال بالكلية كبره ورأى نفسه كأنه شر الخلق ) فهذه مشاهدة العارفين الكاملين .
( ومثاله : مثال عبد أمر سيده بأمور فشرع فيها ) بالعمل ( وترك بعضها ) تهاونا ( وأدخل النقصان في بعضها وشك في بعضها أنه هل أداها على ما يرتضيه سيده أم لا فأخبره مخبر أن مولاه أرسل إليه رسولا يخرجه من كل ما هو فيه عريانا ذليلا ويلقيه على بابه في الشمس والحر زمانا طويلا حتى إذا ضاق عليه الأمر وبلغ به المجهود ) أي نهاية طاقته ( أمر برفع حسابه وفتش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ، ثم أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم لا يروح عنه ساعة ، وقد علم ) ذلك العبد ( أن سيده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك وعفا عن بعضهم وهو لا يدري من أي الفريقين يكون ) أمن المعذبين أم من الخالصين ؟ ( فإذا تفكر في ذلك انكسرت نفسه وذل وبطل عزه وكبره وظهر حزنه وخوفه ، ولم يتكبر على أحد من الخلق بل تواضع ) وخشع ( رجاء أن يكون من شفعائه عند نزول العذاب به ، فكذلك العالم إذا تفكر فيما ضيعه من أوامر ربه ) وقصر فيها