وتعالى من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب فقال عز وجل :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] أراد به علماء اليهود . وقال في بلعم بن باعوراء :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
حتى بلغ :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[ الأعراف : 176 ] قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أوتي بلعم كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض أي سكن حبه إليها
شرح
( وقد مثل اللّه تعالى من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب فقال :مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراًأراد به علماء اليهود ) فإنهم لم يعملوا بما علموا .
( قال بلعم بن باعوراء ) بن يرم بن برسم بن مازن بن هاران بن تارح بن ناحور بن سروع بن ارغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ، وقيل في نسبه غير ذلك ، وقيل هو من الكنعانيين وكان قد أوتي علم بعض كتب اللّه :وَاتْلُ عَلَيْهِمْأي على اليهودنَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِناوكان أحد علماء بني إسرائيل أو المراد به أمية بن أبي الصلت ، فإنه حينئذ قد كان قرأ الكتاب وعلم أن اللّه تعالى مرسل رسولا في ذلك فرجا ان يكون هو ، فلما بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم حسده فكفر به ، وهذا يروى عن عبد اللّه بن عمروفَانْسَلَخَ مِنْهاأي من الآيات باللّه كفر بها أو أعرض عنها ( حتى بلغفَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ )وتمام الآية بعد قوله :فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِأي فصفته التي هي مثل في الخسة كصفة الكلب في أخس أحواله ، وقوله :أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِأي مال إلى الدنيا وإلى السفالة واتبع هواه في إيثار الدنيا واسترضاء قومه ، وأعرض عن مقتضى الآيات وكان من حقه أن يقول : ولكنه أعرض عنها فأوقع موقعه أخلد إلى الأرض واتبع هواه مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه ، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة .
( قال ابن عباس ) رضي اللّه عنهما . ( أوتي بعلم كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض ) أي مال إليها . روى عبد بن حميد ، وابن جرير ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال : هو بلعم بن باعورا ، وفي لفظ بلعام بن باعر الذي أوتي الاسم ، وكان من بني إسرائيل .
وروى ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم أوتي اسم اللّه الأكبر ، فلما نزل بهم موسى عليه السلام أتاه بنو عمه وقومه فقالوا : إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وأنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع اللّه أن يردّ عنا موسى ومن معه . قال : إني إن دعوت اللّه أن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فانسلخ ما كان فيه . وروى ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : هو رجل يدعى بلعم من أهل اليمن آتاه اللّه آياته فتركها . وروى ابن جرير عن مجاهد قال : هو نبي من بني إسرائيل يقال له بلعم أوتي النبوّة ، فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه .