إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 252
بيان فضيلة التواضع : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد للّه إلا رفعه اللّه » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه بها فإن هو رفع نفسه جبذاها ثم قالا : اللهم ضعه وإن وضع نفسه قالا : اللهم ارفعه » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : بيان فضيلة التواضع : وهو تفاعل من الوضع بمعنى الخشوع والذل ، والفرق بين التواضع والضعة أن التواضع رضا الإنسان بمنزلة دون ما تستحقه منزلته ، والضعة وضع الإنسان نفسه بمحل يزرى به ، والفرق بين التواضع والخشوع أن التواضع يعتبر بالأخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة ، والخشوع يقال باعتبار أفعال الجوارح ، ولذلك قيل : إذا تواضع القلب خشعت الجوارح قاله الراغب . وقال ابن القيم : الفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم باللّه وصفاته ومحبته وإجلاله وبين معرفته بنفسه ونقائصها وعيوب عمله وآفاتها فيتولد من ذلك خلق هو التواضع ، وهو انكسار القلب للّه وخفض جناح الذل والرحمة للخلق والمهانة الدناءة والخسة وابتذال النفس في نيل حظوظها كتواضع الفاعل للمفعول به . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزا وما تواضع أحد إلا رفعه اللّه » ) قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من أحد ) « ما » نافية و « من » زائدة وهي هنا تفيد عموم النفي وتحسين دخول ما على النكرة . ( إلا ومعه ملكان ) موكلان به ( وعليه حكمة ) محركة وهي نحو لجام الدابة سميت بذلك لأنها تذللها لراكبها حتى يمنعها الجماح ونحوه ، ومنه اشتقاق الحكمة بالكسر لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل ( يمسكانه بها فإن هو رفع نفسه ) على غيره واستعلى ( جبذاها ثم قالا : اللهم ضعه ) وهو كناية عن إذلاله ( وإن وضع نفسه ) للحق والخلق ( قالا : اللهم ارفعه » ) وهو كناية عن إعزازه ورفع قدره . قال العراقي رواه العقيلي في الضعفاء ، والبيهقي أيضا من حديث ابن عباس وكلاهما ضعيف ا ه . قلت حديث ابن عباس رواه الطبراني في الكبير ، وحديث أبي هريرة رواه البزار . قال المنذري والهيتمي : إسنادهما حسن ، وتبعهما السيوطي فرمز لحسنه ، ولفظهما « ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع قيل للملك ارفع حكمته وإذا تكبر قيل للملك ضع حكمته » . لكن قال ابن الجوزي : حديث لا يصح . وروى الخرائطي في مساوىء الأخلاق ، والحسن ابن سفيان في مسنده ، وابن لآل في مكارم الأخلاق والديلمي من حديث ابن عباس « ما من آدمي إلا وفي رأسه سلسلتان سلسلة في السماء السابعة وسلسلة في الأرض السابعة ، فإذا تواضع رفعه اللّه بالسلسلة إلى السماء السابعة ، وإذا تجبر وضعه اللّه بالسلسلة إلى الأرض السابعة » . وقد روي ذلك من حديث أنس عند ابن صصري في أماليه بلفظ « ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك فإذا تواضع رفعه اللّه وإن ارتفع قمعه اللّه والكبرياء رداء اللّه فمن نازع اللّه