تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
إحصاؤه واستقصاؤه ، فاعترف بالعجز عن وصف كنه جلاله ملائكته وأنبياؤه ، وكسر ظهور الأكاسرة عزه وعلاؤه ، وقصر أيدي القياصرة عظمته وكبرياؤه ، فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه ، ومن نازعه فيهما قصمه بداء الموت فاعجزه دواؤه ، جل جلاله
شرح
ينبغي أن يفهم فوقيته وعلوه فإن هذه الأسامي وضعت أولا بالإضافة إلى إدراك البصر وهو درجة العوام ثم لما تنبه الخواص لإدراك البصائر وجدوا بينها وبين الأبصار موازنات استعاروا منها الألفاظ المطلقة وفهمها الخواص وأنكرها العوام ، فلم يفهموا عظمته إلا بالمسافة ولا علوا إلا بالمكان ، فإن فهمت هذا فهمت معنى استوائه على العرش لأن العرش أعظم الأجسام الموجودات وهو فوق جميعها ، والموجود المنزه عن التحدد والتعدد بحدود الأجسام ومقاديرها فوق الأجسام كلها في المرتبة ، ولكن خص العرش بالذكر لأنه فوق جميع الأجسام فما كان فوقها كان فوق جميعها وهو كقول القائل : الخليفة فوق السلطان تنبيها به على أنه إذا كان فوقه كان فوق جميع الناس الذين هم دون السلطان ، وقد تقدم الكلام في الاستواء في شرح كتاب قواعد العقائد مفصلا . ( وحصر ألسن الأنبياء ) عليهم السلام وهم خواص عباده المقربين ( وصفه وثناؤه وارتفع عن حد قدرتهم احصاؤه واستقصاؤه ، فاعترف بالعجز عن وصف كنه جلاله ملائكته وأنبياؤه ) فإن نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه ، وأنهم لا يمكنهم البتة معرفته ، وأنه يستحيل أن يعرف اللّه المعرفة الحقيقة المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى ، فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته ، وهو الذي أشار إليه الصديق الأكبر رضي اللّه عنه حيث قال : العجز عن درك الإدراك إدراك ، بل هو الذي عناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ولم يرد به أن عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة ، بل معناه أني لا أحيط بمحامدك وصفات الهيتك ، وإنما أنت المحيط بها وحدك ، فإذا لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة . وأما اتساع المعرفة فإنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته . ( وكسر ظهور الأكاسرة عزه وعلاؤه ) المراد بالأكاسرة ملوك الفرس جمع كسرى وهم ؟ ؟ ؟ لقب كل من ملك بلاد الفرس ، ( وقصر أيدي القياصرة عظمته وكبرياؤه ) المراد بالقياصرة ملوك الروم جمع قيصر ، وهو كل من ملك بلاد الروم ، وفي كل من الجملتين جناس اشتقاق ( فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه ) العظمة كون الشيء في نفسه كاملا شريفا مستغنيا ، والكبرياء كناية عن كمال الذات . وأعني بكمال الذات كمال الوجود ، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين . أحدهما : دوامه أزلا وأبدا ، والثاني : إن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود ، ومعنى كونهما إزاره ورداءه أنهما من خاص صفاته كما يليق به . ( ومن نازعه فيهما ) أي جاذبه إياهما بأن تعظم على عباده وتكبر . ( قصمه ) أي كسره ( بداء الموت فاعجزه دواؤه )