تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وتقدست أسماؤه ، والصلاة على محمد الذي أنزل عليه النور المنتشر ضياؤه ، حتى أشرقت بنوره أكناف العالم وأرجاؤه ، وعلى آله وأصحابه الذين هم أحباء اللّه وأولياؤه ، وخيرته وأصفياؤه وسلم تسليما كثيرا . وأما بعد : فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « قال اللّه تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري
شرح
إذ لا دواء له ( جل جلاله ) أي عظم تناهيه في عظم القدر ، ( وتقدست أسماؤه ) أي تنزهت عن أن يلحقها نقص ( والصلاة على ) سيدنا ( محمد الذي أنزل معه النور المنتشر ضياؤه ) اعلم أن العقول وإن كانت مبصرة فليست المبصرات كلها عندها على مرتبة واحدة ، بل بعضها يكون عندها كأنه حاضرة كالعلوم الضرورية ، وبعضها ما لا يقارن العقل في كل حال إذا عرض عليه ، بل يحتاج إلى أن ينبه عليه بالتنبيه كالنظريات ، فإنما ينبهه كلام الحكمة . فعند إشراق نور الحكمة يصير العقل مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة ، وأعظم الحكم كلام اللّه تعالى . ومن جملة كلامه القرآن خاصة فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس عند العين الظاهرة ، إذ به يتم الأبصار ، فبالحري أن يسمى القرآن نورا كما يسمى نور الشمس نورا ، فمثال القرآن نور الشمس ، ومثال العقل نور العين ، وبهذا يفهم معنى قوله تعالى :فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا[ التغابن : 8 ] وقوله تعالى :قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً[ النساء : 174 ] وبين النور والضياء عموم وخصوص . ( حتى أشرقت بنوره أكناف العالم وارجاؤه ) أي أطرافه من سائر الجهات ، ( وعلى آله وأصحابه الذين هم أحباؤه وأولياؤه وخيرته وأصفياؤه ) أي أحبهم اللّه بحبه ووالاهم وقربهم وأدناهم واختارهم واصطفاهم ، ( وسلم ) تسليما ( كثيرا ) . ( أما بعد : فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « قال اللّه تعالى الكبرياء ردائي ) والعظمة ( إزاري » ) اختلفوا في معنى ذلك ، فقال الكلاباذي : الرداء عبارة عن الجمال والبهاء ، والأزار عبارة عن الجمال والستر والحجاب ، فكأنه قال : لا يليق الكبرياء إلا بي . لأن من دوني صفات الحدوث لازمة له وسمة العجز ظاهرة عليه ، والإزار عبارة عن الإقناع عن الإدراك والإحاطة به علما والكيفية لذاته وصفاته ، فكأنه قال : حجبت خلقي عن إدراك ذاتي وكيفية صفاتي بالجلال والعظمة . وقال عياض : الكبرياء الكبر وهو الترفع على الغير بأن يرى لنفسه عليه شرفا . والعظمة : كون الشيء في نفسه كاملا شريفا مستغنيا ، فالأوّل أرفع من الثاني إذ هو غاية العظمة ، فلذا مثله بالرداء . وقيل : الكبرياء الترفع عن الانقياد وذلك لا يستحقه إلا الحق ، فكبرياء ألوهيته التي هي عبارة عن استغنائه واستعلائه ، ومثلهما بالرداء إبرازا للمعقول في صورة المحسوس ، فكما لا يشارك الرجل في ردائه وإزاره لا يشارك الباري في هذين فإنه الكامل المنعم المنفرد بالبقاء وما سواه ناقص محتاج .