تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
واضع ، الجبار الذي كل جبار له ذليل خاضع ، وكل متكبر في جناب عزه مسكين متواضع ، فهو القهار الذي لا يدفعه عن مراده دافع ، الغني الذي ليس له شريك ولا منازع ، القادر الذي بهر أبصار الخلائق جلاله وبهاؤه ، وقهر العرش المجيد استواؤه واستعلاؤه واستيلاؤه ، وحصر ألسن الأنبياء وصفه وثناؤه ، وارتفع عن حدّ قدرتهم
شرح
صاحبها متكبرا حقا ، ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا للّه تعالى ، وإن كان التكبر والاستعظام باطلا ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة كما يراه كان التكبر باطلا ومذموما ، وكل من رأى العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون غيره كانت رؤيته كاذبة ونظره باطلا إلا اللّه سبحانه وتعالى . ( العلي الدي لا يضعه عن مجده واضع ) ، لأن العلو عبارة عن الفوقية والموجودات بأسرها ما لا يمكن قسمتها إلى درجات متفاوتة في العقل إلا ويكون الحق تعالى في الدرجة العليا من درجات أقسامها ، حتى لا يتصور أن يكون فوقه درجة ، وذلك هو العلي المطلق وكل ما سواه فيكون عليا بالإضافة إلى ما دونه ويكون دنيا أو سافلا بالإضافة إلى ما فوقه . ( الجبار الذي كل جبار له ذليل خاضع وكل متكبر في جانب عزه مستكين متواضع ) تقدم معنى الجبار والمتكبر قريبا والاستكانة الذل والمسكنة واختلف في سينها فقيل : هي أصلية وقيل زائدة . ( فهو القهار ) لا موجود إلا وهو مسخر تحت قهره وقدرته ، فهو ( لا يدافعه عن مراده دافع الغنى الذي ) لا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفاته ، بل هو منزه عن العلاقة مع الأغيار ، ( ليس له في ملكه شريك ولا منازع ) وكان من شاركه في نكد أو نازعه في أمر فهو محتاج فقير إلى الكسب ولا يتصوّر أن يكون غنيا مطلقا إلا اللّه تعالى . ( القادر الذي بهر أبصار الخلائق جلاله وبهاؤه ) لأنه اخترع كل موجود اختراعا انفرد به واستغنى فيه عن معاونة غيره ، فابصار الخلائق دون عظمته وجلاله خاسرة ، ( وقهر العرش المجيد استواؤه ) واستواؤه واستعلاؤه ( واستيلاؤه ) يشير إلى أن الاستواء في اللغة يتردّد بين ثلاثة معان : معنيان جائزان على اللّه تعالى وهما الاستعلاء والاستيلاء ، وواحد باطل . واعلم إن الموجودات بأسرها تنقسم إلى ما هو سبب ، وإلى ما هو مسبب . والسبب فوق المسبب فوقية بالرتبة والفوقية المطلقة ليست إلا لمسبب الأسباب ، ولذلك تنقسم الموجودات إلى حي وميت ، والحي ينقسم إلى ما ليس له الإدراك الحسي وهو البهيمة ، وإلى ماله مع الحس الإدراك العقلي ، والذي له الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في إدراكه الشهوة والغضب وهو الإنسان ، وإلى ما سلم إدراكه عن معارضة الكدورات ، والذي يسلم عنها ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلي بها وإن رزق السلامة كالملائكة ، وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو اللّه سبحانه وتعالى ، وليس يخفى عليك في هذا القسم التدريج إذ الملك فوق الإنسان والإنسان فوق البهيمة ، وأن اللّه تعالى فوق الكل فهو العلي المطلق المنزه عن جميع أنواع النقص ، فقد وقع الميت في الدرجة السفلى من درجات الكمال ولم يقع في العلو إلا اللّه تعالى . وهكذا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 225 | مرتضى الزبيدي