الحمد للّه الخالق البارىء المصوّر العزيز الجبار المتكبر العلي الذي لا يضعه عن مجده
شرح
( الحمد للّه الخالق البارىء المصوّر ) اعلم أنه قد يظن أن هذه الأسماء الثلاثة مترادفة ، وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع ، ولا ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقديره أولا ، وإلى إيجاد على وفق التقدير ثانيا ، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا ، واللّه تعالى خالق من حيث أنه مقدر بارىء من حيث أنه مخترع موجد ، ومصوّر من حيث أنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب ، وهذا كالبناء مثلا فإنه يحتاج إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن ومساحة الأرض وعدد الابنية وطولها وعرضها ، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوّره ثم يحتاج إلى بناء يتولى الأعمال التي تحدث عندها أصول الأبنية ، ثم يحتاج إلى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء ، وهذه هي العادة في التقدير والبناء والتصوير ، وليس كذلك في أفعال اللّه تعالى ، بل هو المقدر والموجد والمزين فهو الخالق البارىء المصور وهو باعتبار تقدير الأمور وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير خالق ، وباعتبار مجرد الإيجاد والاختراع من العدم إلى الوجود والإيجاد المجرد شيء والإيجاد على وفق التقدير شيء آخر . وهذا يحتاج إليه من يبعد رد الخالق إلى مجرد التقدير ، مع أن له في اللغة وجها إذ العرب تسمى الحذاء خالقا لتقديره بعض طاقات النعل على بعض كما قال الشاعر :ولأنت تفري ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفريوأما اسم المصوّر ، فهو له من حيث رتب صور الأشياء أحسن ترتيب وصوّرها أحسن تصوير ، وهذا من أوصاف الفعل فلا يعلم حقيقته إلا من يعلم صورة العالم على الجملة ، ثم على التفصيل وكل من كان أوفر علما بالتفصيل كان أكثر إحاطة بمعنى اسم المصور .
( العزيز ) : هو الخطير الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه ، فما لم تجتمع هذه المعاني الثلاثة لم يطلق اسم العزيز عليه ، ثم في كل واحد من المعاني الثلاثة كمال ونقصان فالكمال في قلة الوجود أن يرجع إلى واحد ، إذ لا أقل من واحد يكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هو إلا اللّه تعالى ، والكمال في شدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شيء في كل شيء حتى في وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك على الكمال إلا للّه تعالى ، والكمال في صعوبة الوصول على معنى الإحاطة بكنهه وليس ذلك على الكمال إلا للّه تعالى ، فهو العزيز المطلق الحق الذي لا يوازيه فيه غيره .
( الجبار ) : هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل واحد ، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد ، والذي لا يخرج أحد من قبضته وتقصر الأيدي دون جبر حضرته ، والجبار المطلق هو اللّه تعالى فإنه يجبر كل أحد ولا يجبره أحد ولا تسوية في حقه من الطرفين .
( المتكبر ) : هو الذي يرى الكل حقيرا بالإضافة إلى ذاته ، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد ، فإن كانت الرؤية صادقة كان التكبر حقا وكان