يجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة يحرصون على إخفائهم أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم ، كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة فيجازيهم اللّه في القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلق ، إذ علموا أن اللّه لا يقبل في القيامة إلا
شرح
جعفر ، حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا حسين بن الحسن المروزي ، حدثنا عبد اللّه بن المبارك ، حدثنا بكار بن عبد اللّه أنه سمع وهب بن منبه يقول : كان رجل من أفضل أهل زمانه وكان يزار فيعظهم فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال : إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان ، وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم . أرانا يحب أحدنا أن تقضى له حاجته ، وإن اشترى بيعا أن يقارب لمكان دينه ، وإن لقي وقر لمكان دينه ، فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك فعجب به الملك فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه ، فلما رآه الرجل قيل له : هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك . فقال : وما يصنع ؟
قال : الكلام الذي وعظت به ، فسأل ردأه هل عندك من طعام ؟ فقال : شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به فأمر به فأتى على مسح فوضع بين يديه ، فأخذ يأكل منه وكان يصوم النهار لا يفطر فوقف عليه الملك فسلم عليه فأجابه بإجابة خفية فاقبل على طعامه يأكله ، فقال الملك : فأين الرجل ؟ قيل له : هو هذا . قال : هذا الذي يأكل ؟ قالوا : نعم . قال : ما عند هذا من خير فأدبر ، فقال الرجل : الحمد للّه الذي صرفك عني بما صرفك به .
وقد رواه أيضا من طريقه بلفظ آخر فقال : حدثنا عبد اللّه بن محمد ، حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا حسين المروزي ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مهرب أنه سمع وهب بن منبه يقول : إن الملك سمع باجتهاده فقال : لآتينه يوم كذا وكذا ولأسلمن عليه ، فأسرعت البشرى إلى هذا الراهب ، فلما كان ذلك اليوم وظن أنه يأتيه خرج إلى مضحى له قدام مصلاه ، وأخرج بمنشف فيه بقل وزيت وحمص فوضعه قريبا منه ، فلما أشرف إذا هو بالملك مقبل ومعه سواد من الناس قد أحاطوا به فاوضعوا قريبا ، فلا يرى سهل ولا جبل إلا قد ملىء من الناس ، فجعل الراهب يجمع من تلك البقول والطعام ويعظم اللقمة ويغمس في الزيت فيأكل أكلا عنيفا وهو واضع رأسه لا ينظر إلى من أتاه ، فقال الملك : أين صاحبكم ؟ قالوا : هو هذا . قال الملك :
كيف أنت يا فلان ؟ فقال الراهب : وهو يأكل ذلك الأكل : كالناس ، فردّ الملك عنان دابته وقال : ما في هذا من خير ، فلما ذهب قال الراهب : الحمد للّه الذي أذهبه عني وهو لي لائم .
( فلم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي يجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة يحرصون على إخفائها ) وكتمها مهما أمكن ( أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم ) عن الناس ، ( كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم فيجازيهم اللّه يوم القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلق إذا علموا أن اللّه لا يقبل يوم القيامة إلا الخالص ) فقد روى النسائي ، والطبراني من حديث أبي أمامة : إن اللّه عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا