تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
فالإفراط : ما يقهر العقل حتى يصرف همه الرجال إلى الاستمتاع بالنساء والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش ، وقد ينتهي إفراطها بطائفة إلى أمرين شنيعين . أحدهما : إن يتناولوا ما يقوي شهواتهم على الاستكثار من الوقاع كما قد يتناول بعض الناس أدوية تقوي المعدة لتعظم شهوة الطعام - وما مثال ذلك إلا كمن ابتلى بسباع
شرح
فيحملن الرجال ما لا يطيقون ويقعون في المحظور لأجلهن ، وإذا كن رسلا في حاجة لا ترد شفاعتهن ، وتقضي حاجتهن . وكل ذلك لما فيهن من مخايل الفتن فهن شر غالب لمن غلب ، ( وهذه الشهوة أيضا لها ) ثلاث مراتب ( إفراط وتفريط واعتدال . فالإفراط ) وهي المرتبة الأولى ( ما يقهر العقل حتى تصرف همة الرجل إلى الاستمتاع بالنساء ) المنكوحات ( والجواري ) بملك اليمين ويشتغل بهن ، ( فيحرم عن سلوك طريق الآخرة أو ) ما ( يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش ) التي حرم اللّه ما ظهر منها وما بطن ، وذلك على ضربين . أحدهما : تعاطيه في المحرث ولكن لا على الوجه الذي يجب وقد عظم اللّه أمره فقرنه مرة بالشرك فقط فقالالزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ[ النور : 3 ] ومرة قرنه بالشرك وقتل النفس المحرمة فقالوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ[ الفرقان : 68 ] وسمى ذلك سفاحا من حيث أن المجتمعين عليه لا غرض لها سوى سفح الماء للشهوة كمن ضيع ماء في غير حرثه . والثاني : تعاطيه في غير المحرث كاللواطة وهي أعظم من الزنا لأن الزنا وضع البذر في المحرث على غير الوجه المأثور ، فهو كمن زرع في أرض غيره أو على غير الوجه الذي يجوز أن يزرع فيها . وفي اللواطة مع ذلك تضييع فمتعاطيها كمن قال اللّه تعالى فيهوَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ[ البقرة : 205 ] ولهذا وصف قوم لوط بالإسراف فقال :أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ[ النمل : 55 ] ( حتى ينتهي افراطها بطائفة إلى أمرين شنيعين ) . ( أحدهما : أن يتناولوا ما يقوي شهواتهم على الاستكثار من الوقاع ) من غير ضعف وفتور ، ( كما قد يتناول بعض الناس أدوية تقوي المعدة لتعظم شهوة الطعام ) وكل منهما شنيع . قال صاحب القوت : وحدثونا في أخبار الملوك أن ملك الهند أهدى إلى المنصور تحفا منها أنه وجه إليه بفيلسوف طبيب قال : فانزله المنصور وأحسن إليه ، فلما دخل إليه قال الفيلسوف : قد جئتك يا أمير المؤمنين بثلاث خصال : تتنافس الملوك فيها لا نصنعها إلا لهم . قال : وما هي ؟ قال : اخضب لحيتك بسواد لا تنصل أبدا ولا تتغير عن حالها . قال : وما الخصلة الثانية ؟ قال : أعالجك بعلاج تتسع به في المآكل فتأكل أي شيء شئت لا تتخم ولا يؤذيك الطعام . قال : وما الثالثة ؟ قال : أقوي صلبك بتقوية تنشط بها إلى الجماع فتجامع ما شئت لا تمل من ذلك ولا يضعف بصرك ولا تنقص من قوتك . قال : فأطرق المنصور ثم رفع رأسه إليه فقال : قد كنت أظن أنك أعقل مما أنت .