أنفقت فهؤلاء المتقون كانوا في جدة الإسلام والحلال موجود لديهم ، تركوا المال وجلا من الحساب مخافة أن يقوم خير المال بشره ، وأنت بغاية الأمن والحلال في دهرك مفقود ، تتكالب على الأوساخ ثم تزعم أنك تجمع المال من الحلال ، ويحك ! أين الحلال فتجمعه .
وبعد ؛ فلو كان الحلال موجودا لديك أما تخاف أن يتغير عند الغنى قلبك ، وقد بلغنا أن بعض الصحابة كان يرث المال الحلال فيتركه مخافة أن يفسد قلبه ؟ أفتطمع أن يكون قلبك أتقى من قلوب الصحابة فلا يزول عن شيء من الحق في أمرك وأحوالك ؟
لئن ظننت ذلك لقد أحسنت الظن بنفسك الأمارة بالسوء ، ويحك ! إني لك ناصح أرى
شرح
بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأنا تاجر فأردت أت تجتمع لي التجارة والعبادة فلم تجتمعا ، فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة والذي نفس أبي الدرداء بيده ما أحب أن لي اليوم حانوتا على باب المسجد لا تخطئني فيه صلاة أربح فيه كل يوم أربعين دينارا أو أتصدق بها كلها في سبيل اللّه . قيل له : يا أبا الدرداء وما تكره من ذلك ؟ قال : شدة الحساب ، ورواه محمد بن الجنيد التمار عن المحاربي فقال :
عن عمرو بن مرة عن أبيه ، ورواه خيثمة عن أبي الدرداء نحوه ، وروى أحمد في كتاب الزهد .
ومن طريقه أبو نعيم قال : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عبد اللّه بن يحيى ، حدثنا أبو عبد ربه قال : قال أبو الدرداء : ما يسرني أن أقوم على الدرج من باب المسجد فأبيع وأشتري فأصيب كل يوم ثلاثمائة دينار أشهد الصلاة كلها في المسجد ما أقول إن اللّه لم يحل البيع ويحرم الربا ، ولكن أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، ومن طريق محمد بن واسع أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان : ويا أخي من ولي ولك بأن نوافي يوم القيامة ولا نخاف حسابا .
( فهؤلاء المتقون كانوا في جدة الإسلام ) أي في أوّله ونشاطه ( والحلال موجود لديهم ، تركوا المال وجلا من الحساب مخافة أن لا يقوم خير المال بشره ، وأنت ثفالة الأمة ) « 1 » أي رذالتها ( والحلال في دهرك مفقود . تتكالب على الأوساخ ) وهي أعراض الدنيا ( ثم تزعم أنك تجمع المال من الحلال ، ويحك ! وأين الحلال فتجمعه ؟
وبعد ؛ فلو كان الحلال موجودا لديك أما تخاف أن يتغير عند الغنى قلبك ) عما كان عليه من الإقبال على المعرفة ؟ ( وقد بلغنا أن بعض الصحابة كان يرث المال الحلال فيتركه فيقول : لا حاجة لي به أخاف أن يفسد على قلبي . ( أفتطمع أن يكون قلبك أتقى من قلوب الصحابة فلا تزول عن شيء من الحق في أمرك وأحوالك ) هذا لا يكون ، و ( لئن ظننت ذلك لقد أحسنت الظن بنفسك الأمّارة بالسوء ) وتبرآتها . ( ويحك ! إني لك ناصح أرى لك أن
هامش
( 1 ) . في الإحياء : « بغاية الأمن » بدلا من « ثفالة الأمة » .