وللدنيا وما يراد بها فكأنهم على جناح خوف ، وإذا سلك بها سبيل البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا : الآن تعاهدنا ربنا . فهذه أحوال السلف ونعتهم وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا فباللّه أكذلك أنت انك لبعيد الشبه بالقوم .
وسأصف لك أحوالك أيها المفتون ضدا لأحوالهم ، وذلك أنك تطغى عند الغنى ، وتبطر عند الرخاء ، وتمرح عند السراء ، وتغفل عن شكر ذي النعماء وتقنط عند الضراء ، وتسخط عند البلاء ولا ترضى بالقضاء ، نعم وتبغض الفقر وتأنف من المسكنة ، وذلك فخر المرسلين وأنت تأنف من فخرهم . وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن باللّه عز وجل وقلة اليقين بضمانه ، وكفى به إثما ، وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها وشهواتها ولذاتها . ولقد بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم فربت عليه أجسامهم » ، وبلغنا أن بعض أهل العلم قال : ليجيء يوم القيامة
شرح
الرخاء حزنوا وأشفقوا ) على أنفسهم ( وقالوا : ما لنا وللدنيا وما يراد منها ، فكأنهم على جناح خوف ، وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا : الآن تعاهدنا ربنا ) أي نظر إلينا بالرضا رواه صاحب القوت عن الحسن قال : كانوا بالبلاء والشدة أشد فرحا منكم بالرخاء والخصب . لو رأيتموهم قلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا ما لهؤلاء من خلاق ، ولو رأوا شراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب . ( فهذه أحوال السلف ونعتهم وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا فباللّه أكذلك أنت ) وفيك هذه الأوصاف ؟ ( إنك لبعيد الشبه بالقوم ) .
( وسأصف لك أحوالك أيها المفتون ضد أحوالهم ، وذلك أنك تطغى عند الغنى ) أي تتجاوز عن الحدود ، ( وتبطر في الرخاء ) أي تكفر بالنعمة ولا تشكرها ، ( وتمرح عند السراء ، وتغفل عن شكر ذي النعماء ، وتقنط عند الضراء ، وتسخط عند البلاء ولا ترضى بالقضاء نعم وتبغض الفقر ) إذا أقبل إليك ، ( وتأنف من المسكنة وذلك فخر المرسلين وأنت تأنف من فخرهم ) ، فقد ورد : « الفقر أزين بالمؤمن من العذار الحسن على خد الفرس » رواه الطبراني من حديث شداد بن أوس بسند ضعيف ، والمعروف أنه من كلام عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، وكذلك رواه ابن عدي في الكامل ، وسيأتي للمصنف في كتاب الزهد والفقر . فأما ما اشتهر على الألسنة الفقر فحري وبه أفتخر ، فقد قال الحافظ ابن حجر : أنه موضوع لا أصل له ، ( وتدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر ، وذلك من سوء الظن باللّه وقلة اليقين بضمانه وكفى به إثما وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها وشهوتها ولذاتها ، ولقد بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليهم أجسامهم » ) رواه البزار من حديث أبي هريرة بسند ضعيف بلفظ « إن من شرار أمتي » وقد تقدم في فصل ذم المال من أول هذا الكتاب .