وبعد : فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين ، ومن خوف الفقر آمنين ، وباللّه في أرزاقهم واثقين ، وبمقادير اللّه مسرورين ، وفي البلاء راضين ، وفي الرخاء شاكرين ، وفي الضراء صابرين ، وفي السراء حامدين ، وكانوا للّه متواضعين ، وعن حب العلو والتكاثر ورعين . ولم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم ورضوا بالبلغة منها وزجوا الدنيا وصبروا على مكارهها وتجرعوا مرارتها وزهدوا في نعيمها وزهراتها . فباللّه أكذلك أنت ؟
ولقد بلغنا أنهم كانوا إذ أقبلت الدنيا عليهم حزنوا وقالوا : ذنب عجلت عقوبته من اللّه ، تعالى وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا : مرحبا بشعار الصالحين . وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء أصبح كئيبا حزينا ، وإذا لم يكن عندهم شيء أصبح فرحا مسرورا ، فقيل له : إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا ، وإذا كان عندهم شيء فرحوا ، وأنت لست كذلك ! قال : إني إذا أصبحت وليس عند عيالي شيء فرحت إذ كان لي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أسوة ، وإذا كان عند عيالي شيء اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمد إسوة . وبلغنا إنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا وقالوا : ما لنا
شرح
( وبعد ؛ فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين ، ومن خوف الفقر آمنين ، وباللّه في أرزاقهم واثقين ، وبمقادير اللّه مسرورين ، وفي البلاء راضين ، وفي الرخاء شاكرين ، وفي الضراء صابرين ، وفي السراء حامدين ، وكانوا للّه متواضعين ، وعن حب العلو والتكاثر ورعين . لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم ) فوضعوه في مواضعه ( ورضوا بالبلغة منها ) أي بالقدر الذي يبلغهم إلى الآخرة ( وزجوا الدنيا ) أي ساقوها وأبعدوها عنهم ( وصبروا على مكارهها وتجرعوا مرارتها وزهدوا في نعيمها وزهراتها . فباللّه أكذلك أنت ) ؟ لا تقدر تقول : نعم .
( ولقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا وقالوا : ذنب عجلت عقوبته من اللّه ، وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا : مرحبا بشعار الصالحين ) وقد روي ذلك من حديث أبي الدرداء . قال اللّه لموسى عليه السلام فذكره ، ويروى أيضا عن كعب الأحبار ، وقد تقدم في ذم الدنيا . وسيأتي أيضا في كتاب الزهد والفقر . ( وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء ) من الدنيا ( أصبح كئيبا حزينا ) مغموما ، ( وإذا ) أصبح ( لم يكن عندهم شيء أصبح فرحا مسرورا فقيل له : إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا ، وإذا كان عندهم شيء فرحوا ، وأنت لست كذلك . فقال : إني إذا أصبحت وليس عند عيالي شيء فرحت إذ كان لي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم أسوة ) فإنه كثيرا ما يصبح وليس عند عياله شيء ، ( فإذا كان عند عيالي شيء اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمد صلّى اللّه عليه وسلم أسوة . وبلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل